سيد محمد طنطاوي
422
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجئ هنا وفي سورة الجمعة بصيغة المضارع * ( يُسَبِّحُ ) * للدلالة على تجدد هذا التسبيح ، وحدوثه في كل وقت وآن . وجئ في سورة الحديد ، والحشر ، والصف ، بصيغة الماضي سَبَّحَ . للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت للَّه - تعالى - وحده ، من قديم الزمان . وقوله - سبحانه - : * ( لَه الْمُلْكُ ولَه الْحَمْدُ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * مؤكد لما قبله ، من بيان أن جميع الكائنات تسبح للَّه - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها . وتقديم الجار والمجرور * ( لَه ) * لإفادة الاختصاص والقصر . أي : له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون ، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته ، وليس لغيره شيء منهما ، وإذا وجد شيء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه ، إذ هو - سبحانه - القدير الذي لا يقف في وجه قدرته وإرادته شيء . ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه في هذه الحياة فقال : * ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ ، ومِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) * . والخطاب في قوله : * ( خَلَقَكُمْ ) * لجميع المكلفين من هذه الأمة . والفاء في قوله : * ( فَمِنْكُمْ كافِرٌ ) * للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر باللَّه - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذي خلقه ، وخلق كل شيء . وقدم ذكر الكافر ، لأنه الأهم في هذا المقام ، ولأنه الأكثر عددا في هذه الحياة . أي : هو - سبحانه - الذي خلقكم بقدرته ، دون أن يشاركه في ذلك مشارك ، وزودكم بالعقول التي تعينكم على معرفة الخير من الشر ، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا صلى اللَّه عليه وسلم لكي يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وأنزل معه الكتاب الذي يدلكم على أنه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه ، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده ، ولم يترك رسولنا صلى اللَّه عليه وسلم وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها . . . ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق ، المعرض عن الإيمان بوحدانية اللَّه - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص في عقيدته للَّه - تعالى - المؤمن بوحدانيته ، المؤدى لجميع التكاليف التي كلفه - سبحانه - بها . قال القرطبي - بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى هذه الآية - : وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال ، والذي عليه الأئمة والجمهور من الأمة - : إن اللَّه خلق الكافر ،