سيد محمد طنطاوي

414

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فمن أجل الاشتغال بجمع المال ، يقضى الإنسان معظم حياته ، وكثير من الناس من أجل جمع المال ، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات ، ومن أخلاق ، ومن سلوك وآداب . . ومن أجل راحة الأولاد قد يضحى الآباء براحتهم ، وبما تقضى به المروءة ، وصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حيث يقول : « الولد مجبنة مبخلة » . والتعبير بقوله - تعالى - : * ( لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّه ) * يشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع المال . وبرعاية الأولاد ، دون أن يصرفه ذلك عن طاعة اللَّه ، أو عن أداء حق من حقوقه - تعالى - ، فإن هذا الاشتغال لا يكون مذموما ، بل يكون مرضيا عنه من اللَّه - تعالى - . واسم الإشارة في قوله - سبحانه - : * ( ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * يعود إلى ما سبق ذكره من اللهو عن ذكر اللَّه ، بسبب الأموال والأولاد . أي : ومن يشغله حبه لماله وأولاده عن ذكر اللَّه ، وعن أداء ما كلفه - سبحانه - به ، فأولئك هم البالغون أقصى درجات الخسران والغفلة . لأنهم خالفوا ما أمرهم به ربهم ، وآثروا ما ينفعهم في عاجلتهم الفانية ، على ما ينفعهم في آجلتهم الباقية ، ثم حضهم - سبحانه - على الإنفاق في سبيله فقال : * ( وأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) * . والمراد بالإنفاق : إنفاق المال في وجوه الخير والطاعات ، فيشمل الزكاة المفروضة ، والصدقات المستحبة ، وغير ذلك من وجوه البر والخير . و « من » في قوله - تعالى - مِمَّا رَزَقْناكُمْ للتبعيض إذ المطلوب إنفاقه بعض المال الذي يملكه الإنسان ، وليس كله ، وهذا من باب التوسعة منه - تعالى - على عباده ، ومن مظاهر سماحة شريعته - عز وجل - . والمراد بالموت : علاماته وأماراته الدالة على قرب وقوعه . وقوله * ( فَيَقُولَ ) * معطوف على قوله * ( أَنْ يَأْتِيَ ) * ومسبب عنه . و * ( لَوْ لا ) * بمعنى هلا فهي حرف تحضيض . وقوله : * ( فَأَصَّدَّقَ ) * منصوب على أنه في جواب التمني ، وقوله : * ( وأَكُنْ ) * بالجزم ، لأنه معطوف على محل * ( فَأَصَّدَّقَ ) * كأنه قيل : إن أخرتنى إلى أجل قريب أتصدق وأكن من الصالحين . والمعنى : يا من آمنتم باللَّه حق الإيمان ، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن طاعة اللَّه