سيد محمد طنطاوي
402
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * تذييل قصد به بيان قبح أحوالهم ، وسوء عاقبتهم . و « ساء » : فعل ماض بمعنى بئس في إفادة الذم ، و « ما » موصولة والعائد محذوف . أي : إن هؤلاء المنافقين بئس ما كانوا يقولونه من أقوال كاذبة ، وساء ما كانوا يفعلونه من أفعال قبيحة ، سيكونون بسببها يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار . واسم الإشارة في قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ) * يعود إلى ما تقدم ذكره من الكذب ، ومن الصد عن سبيل اللَّه ، ومن قبح الأقوال والأفعال . أي : ذلك الذي ذكر من حالهم الذي دأبوا عليه من الكذب والخداع والصد عن سبيل اللَّه . . . سببه أنهم * ( آمَنُوا ) * أي : نطقوا بكلمة الإسلام بألسنتهم دون أن يستقر الإيمان في قلوبهم ، ثم كفروا ، أي : ثم ارتكسوا في الكفر واستمروا عليه ، وظهر منهم ما يدل على رسوخهم فيه ظهورا جليا ، كقولهم : أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ . . . وكقولهم للمجاهدين : لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ . . . . * ( فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ) * أي : فختم اللَّه - تعالى - عليها بالكفر نتيجة إصرارهم عليه ، فصاروا ، بحيث لا يصل إليها الإيمان . * ( فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) * أي : فهم لا يدركون حقيقة الإيمان أصلا ، ولا يشعرون به ، ولا يفهمون حقائقه لانطماس بصائرهم . وقوله : * ( ذلِكَ ) * مبتدأ ، وقوله * ( بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا . . . ) * خبر : والباء للسببية . و * ( ثُمَّ ) * للتراخي النسبي ، لأن إبطان الكفر مع إظهار الإيمان أعظم من الكفر الصريح ، وأشد ضررا وقبحا . قال صاحب الكشاف : فان قلت : المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما معنى قوله : * ( آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ) * ؟ . قلت : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : آمنوا : أي نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا . أي : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع اللَّه عليه المؤمنين من قولهم : إن كان ما يقوله محمد صلى اللَّه عليه وسلم حقا فنحن حمير . . والثاني : آمنوا ، أي : نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام ، كقوله - تعالى - : وإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ، وإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ .