سيد محمد طنطاوي

400

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وعبروا عن التظاهر بتصديقهم له صلى اللَّه عليه وسلم بقولهم * ( نَشْهَدُ ) * - المأخوذ من الشهادة التي هي إخبار عن أمر مقطوع به - وأكدوا هذه الشهادة بإنّ واللام ، للإيهام بأن شهادتهم صادقة ، وأنهم لا يقصدون بها إلا وجه الحق ، وأن ما على ألسنتهم يوافق ما في قلوبهم . قال الشوكاني : أكدوا شهادتهم بإنّ واللام ، للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم ، مع خلوص نياتهم ، والمراد بالمنافقين ، عبد اللَّه بن أبي وأتباعه . ومعنى نشهد : نحلف ، فهو يجرى مجرى القسم ، ولذا يتلقى بما يتلقى به القسم . . . ومثل نشهد : نعلم ، فإنه يجرى مجرى القسم كما في قول الشاعر : ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها « 1 » وقوله : * ( واللَّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه ) * جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها ، من كونه صلى اللَّه عليه وسلم رسول من عند اللَّه - تعالى - حقا . وجملة : * ( واللَّه يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) * معطوفة على قوله : * ( قالُوا نَشْهَدُ ) * . أي : إذا حضر المنافقون إليك - أيها الرسول الكريم - قالوا كذبا وخداعا : نشهد إنك لرسول اللَّه ، واللَّه - تعالى - * ( يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه ) * حقا سواء شهدوا بذلك أم لم يشهدوا ، فأنت لست في حاجة إلى هذه الشهادة التي تخالف بواطنهم . * ( واللَّه ) * - تعالى - * ( يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) * في قولهم : نشهد إنك لرسول اللَّه ، لأن قولهم هذا يباين ما أخفته قلوبهم المريضة ، من كفر ونفاق وعداوة لك وللحق الذي جئت به . والإيمان الحق لا يتم إلا إذا كان ما ينطق به اللسان ، يوافق ويواطئ . ما أضمره القلب ، وهؤلاء قد قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فثبت كذبهم في قولهم : نشهد إنك لرسول اللَّه . . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أي : فائدة في قوله - تعالى - : * ( واللَّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه ) * ؟ قلت : لو قال : قالوا نشهد إنك لرسول اللَّه ، واللَّه يشهد إن المنافقين لكاذبون ، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب ، فوسط بينهما قوله : * ( واللَّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه ) * ليميط هذا الإيهام . . « 2 » . وجئ بالفعل * ( يَشْهَدُ ) * في الإخبار عن كذبهم فيما قالوه ، للمشاكلة ، حتى يكون إبطال خبرهم مساويا لإخبارهم ولما نطقوا به .

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 230 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 538 .