سيد محمد طنطاوي
389
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور ، عرفتم أن امتثال أمر اللَّه - تعالى - بأن تسعوا ، إلى ذكره عند النداء لصلاة الجمعة ، خير لكم من الاشتغال في هذا الوقت بالبيع والشراء . . إذ في هذا الامتثال سعادتكم ونجاتكم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تيسيره عليهم في تشريعاته فقال : * ( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ، وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه . . . ) * . أي : فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكل وجه ، فانتشروا في الأرض ، وامشوا في مناكبها ، لأداء أعمالكم التي كنتم قد تركتموها عند النداء للصلاة ، واطلبوا الربح واكتساب المال والرزق ، من فضل اللَّه - تعالى - ومن فيض إنعامه ، والأمر هنا للإباحة ، لأنه وارد بعد حظر ، فهو كقوله - تعالى - : وإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا . . . . أي : أن الانتشار في الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق ، ليس واجبا عليهم ، إذ طلب الرزق قد يكون في هذا الوقت ، وقد يكون في غيره . . . والمقصود من الآية إنما هو تنبيه الناس ، إلى أن لهم في غير وقت الصلاة ، سعة من الزمن في طلب الرزق ، وفي الاشتغال بالأمور الدنيوية ، فعليهم أن يسعوا إلى ذكر اللَّه ، إذا ما نودي للصلاة من يوم الجمعة ، وأن يحرصوا على ذلك حرصا تاما ، مصحوبا بالنية الطيبة ، وبالهيئة الحسنة . وبالمضي المبكر إلى المسجد . وقوله - سبحانه - : * ( واذْكُرُوا اللَّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * تحذير لهم من الانتشار في الأرض لمصالحهم الدنيوية ، دون أن يعطوا طاعة اللَّه - تعالى - وعبادته ، ما تستحقه من عناية ومواظبة . أي : إذا قضيت الصلاة ، فانتشروا في الأرض لتحصيل معاشكم ، دون أن يشغلكم ذلك عن الإكثار من ذكر اللَّه - تعالى - في كل أحوالكم ، فإن الفلاح كل الفلاح في تقديم ما يتعلق بأمور الدين ، على ما يتعلق بأمور الدنيا ، وفي تفضيل ما يبقى على ما يفنى . والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامي ، بين ما يقتضيه دينه ، وما تقتضيه دنياه . إنها تأمره بالسعي في الأرض ، ولكن في غير وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة ، ودون أن يشغله هذا السعي عن الإكثار من ذكر اللَّه ، فإن الفلاح في الإقبال على الطاعات التي ترضيه - سبحانه - : ومن بين هذه الطاعات أن يكثر الإنسان من ذكر اللَّه - تعالى - ، حتى في حالة سعيه لتحصيل رزقه .