سيد محمد طنطاوي

383

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ألسنتهم ، ويكشف عن أكاذيبهم . . فقال - سبحانه - : * ( قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّه مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * . قال الآلوسي : وأمر صلى اللَّه عليه وسلم أن يقول لهم ذلك ، إظهارا لكذبهم ، فإنهم كانوا يقولون : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّه وأَحِبَّاؤُه ويدعون أن الآخرة خالصة لهم عند اللَّه . وروى أنه لما ظهر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كتب يهود المدينة إلى يهود خيبر : إن اتبعتم محمدا أطعناه ، وإن خالفتموه خالفناه . فقالوا - أي : يهود خيبر - : « نحن أبناء خليل الرحمن ، ومنا عزير ابن اللَّه ، ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب ؟ نحن أحق بها من محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، ولا سبيل إلى اتباعه ، فنزلت هذه الآيات . . « 1 » . والمقصود بالذين هادوا ، أي : الذين ادعو أنهم على الديانة اليهودية ، يقال : هاد فلان وتهوّد . إذا دخل في اليهودية ، نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب - عليه السلام - ، أو سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل ، من هاد يهود هودا بمعنى تاب ، ومنه قوله - تعالى - : واكْتُبْ لَنا فِي هذِه الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ . . . أي : تبنا إليك . ومعنى ، أولياء اللَّه . . . مقربين منه ، كرماء عليه ، لهم منزلة خاصة عنده - تعالى - وقوله : * ( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ . . . ) * جواب الشرط ، والتمني معناه : ارتياح النفس ، ورغبتها القوية في الحصول على الشيء . ويستعمل التمني في المعنى القائم بالقلب ، بأن تتطلع نفس الشخص إلى الحصول على الشيء . كما يستعمل عن طريق النطق باللسان ، بأن يقول الإنسان بلسانه ، ليتني أحصل على كذا . وهذا المعنى الثاني هو المراد هنا ، لأن المعنى الكائن في القلب لا يعلمه أحد سوى اللَّه - تعالى - . ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الزاعمين . أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه ، وأنهم أولياء اللَّه - تعالى - المقربون إليه من دون سائر خلقه . . . قل لهم على سبيل التحدي والتعجيز والتبكيت - إن كان الأمر كما زعمتم ، فاذكروا أمام الناس بألسنتكم لفظا ، يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه ، لكي تظفروا بعد الموت بالمحبة الكاملة من اللَّه ، ولكي تنتقلوا من شقاء الدنيا ومتاعبها إلى النعيم الخالص بعد موتكم .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 96 .