سيد محمد طنطاوي
364
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أدلكم على تجارة رابحة ، تنجيكم مزاولتها ومباشرتها ، من عذاب شديد الألم ؟ إن كنتم تريدون ذلك ، فهاكم الطريق إليها ، وهي : * ( تُؤْمِنُونَ بِاللَّه ورَسُولِه ، وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ ) * . فقوله - سبحانه - : * ( تُؤْمِنُونَ بِاللَّه ورَسُولِه ) * استئناف مفسر وموضح لقوله * ( هَلْ أَدُلُّكُمْ ) * ؟ فكأن سائلا قال : وما هذه التجارة ؟ دلنا عليها ، فكان الجواب : تؤمنون باللَّه ورسوله . أي : تداومون مداومة تامة على الإيمان باللَّه - تعالى - وبرسوله صلى اللَّه عليه وسلم وتجاهدون في سبيل إعلاء كلمة اللَّه ونصرة دينه بأموالكم وأنفسكم . قالوا : وقوله * ( تُؤْمِنُونَ ) * خبر في معنى الأمر ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود : آمنوا باللَّه ورسوله ، وجاهدوا في سبيله . وفائدة العدول إلى الخبر : الإشعار بأنهم قد امتثلوا لما أرشدوا إليه ، فكأنه - سبحانه - يخبر عن هذا الامتثال الموجود عندهم . وجاء التعبير بقوله : * ( هَلْ أَدُلُّكُمْ ) * لإفادة أن ما يذكر بعد ذلك من الأشياء التي تحتاج إلى من يهدى إليها ، لأنها أمور مرد تحديدها إلى اللَّه - تعالى - . وتنكير لفظ التجارة ، للتهويل والتعظيم ، أي : هل أدلكم على تجارة عظيمة الشأن . . . ؟ وأطلقت التجارة هنا على الإيمان والعمل الصالح ، لأنهما يتلاقيان ويتشابهان في أن كليهما المقصود من ورائه الربح العظيم ، والسعي من أجل الحصول على المنافع . وقدم - سبحانه - هنا الجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس ، لأن المقام مقام تفسير وتوضيح لمعنى التجارة الرابحة عن طريق الجهاد في سبيل اللَّه ، ومن المعلوم أن التجارة تقوم على تبادل الأموال ، وهذه الأموال هي عصب الجهاد ، فعن طريقها تشترى الأسلحة والمعدات التي لا غنى للمجاهدين عنها ، وفي الحديث الشريف « من جهز غازيا فقد غزا » . وقدم - سبحانه - في قوله : إِنَّ اللَّه اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . . « 1 » قدم الأنفس على الأموال ، لأن الحديث هناك ، كان في معرض الاستبدال والعرض والطلب ، والأخذ والعطاء . . . فقدم - سبحانه - الأنفس لأنها أعز ما يملكه الإنسان ، وجعل في مقابلها الجنة لأنها أعز ما يوهب ، وأسمى ما تتطلع إلى نيله النفوس .
--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 111 .