سيد محمد طنطاوي

357

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

« وقد » في قوله - تعالى - : * ( وقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ ) * للتحقيق ، والجملة حالية ، وجئ بالمضارع بعد « قد » للدلالة على أن علمهم بصدقه متجدد بتجدد ما يأتيهم به من آيات ومعجزات . قال الجمل : قوله : * ( وقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ ) * قد للتحقيق . أي : تحقيق علمهم . أي : لا للتقريب ولا للتقليل ، وفائدة ذكرها التأكيد ، والمضارع بمعنى الماضي . أي : وقد علمتم ، وعبر بالمضارع ليدل على استصحاب الحال ، وعلى أنها مقررة للإنكار . فإن العلم برسالته يوجب تعظيمه ، ويمنع إيذاءه لأن من عرف اللَّه - تعالى - وعظمته ، عظَّم رسوله « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما ترتب على إيثارهم الغي على الهدى ، فقال : * ( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ ) * . والزيغ : هو الميل عن طريق الحق ، يقال : زاغ يزيغ زيغا وزيغانا ، إذا مال عن الجادة ، وأزاغ فلان فلانا ، إذا حوله عن طريق الخير إلى طريق الشر . أي : فلما أصروا على الميل عن الحق مع علمهم به . واستمروا على ذلك دون أن تؤثر المواعظ في قلوبهم . . . أمال اللَّه - تعالى - قلوبهم عن قبول الهدى . لإيثارهم الباطل على الحق ، والضلالة على الهداية . كما قال - تعالى - : ومَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَه الْهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، نُوَلِّه ما تَوَلَّى ، ونُصْلِه جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيراً « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) * تذييل قصد به التقرير لما قبله ، من أن الزيغ يؤدى إلى عدم الهداية ، وبيان سنة من سنن اللَّه في خلقه ، وهي أن من استحب العمى على الهدى ، وأصر على ذلك . . كانت عاقبته الخسران . أي : وقد اقتضت حكمة اللَّه - تعالى - أن لا يهدى القوم الخارجين عن طريق الحق ، إلى ما يسعدهم في حياتهم وبعد مماتهم ، لأنهم هم الذين اختاروا طريق الشقاء ، وأصروا على سلوكها .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 336 . ( 2 ) سورة النساء الآية 115 .