سيد محمد طنطاوي
355
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الأمر في قلوب السامعين ، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله وأسند إلى * ( أَنْ تَقُولُوا ) * ونصب * ( مَقْتاً ) * على التمييز ، للدلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه ، لفرط تمكن المقت منه . واختير لفظ المقت ، لأنه أشد البغض وأبلغه ، ومنه قيل : نكاح المقت - وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه - . وإذا ثبت كبر مقته عند اللَّه ، فقد تم كبره وشدته ، وانزاحت عنه الشكوك . . « 1 » . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد ذم الذين يقولون ما لا يفعلون ذما شديدا ، ويندرج تحت هذا الذم ، الكذب في القول ، والخلف في الوعد ، وحب الشخص للثناء دون أن يكون قد قدم عملا يستحق من أجله الثناء . وبعد أن وبخ - سبحانه - الذين يقولون ما لا يفعلون ، أتبع ذلك ببيان من يحبهم اللَّه - تعالى - فقال : * ( إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِه صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) * . ومحبة اللَّه - تعالى - لشخص ، معناها : رضاه عنه ، وإكرامه له . والصف يطلق على الأشياء التي تكون منتظمة في مظهرها ، متناسقة في أماكنها ، والمرصوص : هو المتلاصق الذي انضم بعضه إلى بعض . يقال : رصصت البناء ، إذا ألزقت بعضه ببعض حتى صار كالقطعة الواحدة . والمعنى : أن اللَّه - تعالى - يحب الذين يقاتلون في سبيل إعلاء دينه قتالا شديدا ، حتى لكأنهم في ثباتهم ، واجتماع كلمتهم ، وصدق يقينهم . . بنيان قد التصق بعضه ببعض ، فلا يستطيع أحد أن ينفذ من بين صفوفه . فالمقصود بالآية الكريمة : الثناء على المجاهدين الصادقين ، الذين يثبتون أمام الأعداء وهم يقاتلونهم ، ثباتا لا اضطراب معه ولا تزلزل . قال الإمام الرازي : أخبر اللَّه - تعالى - أنه يحب من يثبت في الجهاد ، ويلزم مكانه ، كثبوت البناء المرصوص . ويجوز أن يكون على أن يستوي أمرهم في حرب عدوهم ، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة ، وموالاة بعضهم بعضا ، كالبنيان المرصوص « 2 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 523 . ( 2 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 139 .