سيد محمد طنطاوي

351

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم مقدمة وتمهيد 1 - سورة « الصف » من السور المدنية الخالصة ، وقد اشتهرت بهذا الاسم منذ عهد النبوة . فقد أخرج الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن سلام قال : تذاكرنا : أيكم يأتي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فيسأله عن أحب الأعمال إلى اللَّه ؟ فلم يقم أحد منا ، فأرسل إلينا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رجلا ، فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة ، يعنى سورة الصف كلها « 1 » . قال الآلوسي : وتسمى - أيضا - سورة الحواريين ، وسورة عيسى - عليه السلام - . وعدد آياتها أربع عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة « التغابن » وقبل سورة « الفتح » . 2 - وقد افتتحت بتسبيح اللَّه - تعالى - عن كل ما لا يليق به ، ثم وجهت نداء إلى المؤمنين نهتهم فيه أن يقولوا قولا لم تطابقه أفعالهم ، فقال - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ . وبعد أن ذكر - سبحانه - جانبا مما قاله موسى - عليه السلام - لقومه ، وما قاله عيسى - عليه السلام - لقومه ، أتبع ذلك ببيان ما جبل عليه الكافرون من كذب على الحق ومن كراهية لظهور نوره ، فقال - تعالى - ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه الْكَذِبَ . وهُوَ يُدْعى إِلَى الإِسْلامِ ، واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّه بِأَفْواهِهِمْ ، واللَّه مُتِمُّ نُورِه ولَوْ كَرِه الْكافِرُونَ . 3 - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، دعاهم فيه - بأبلغ أسلوب - إلى الجهاد في سبيله ، بالأنفس والأموال ، وحضهم على أن يقتدوا بالحواريين فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّه كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه ، قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّه ، فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ ، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 8 ص 131 .