سيد محمد طنطاوي

338

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

النساء « فأنزل اللَّه هذه الآية « 1 » . والمعنى : يا من آمنتم باللَّه - تعالى - حق الإيمان ، * ( إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ ) * ، من دار الكفر إلى دار الإيمان ، وراغبات في فراق الكافرين ، والبقاء معكم . * ( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) * أي : فاختبروهن اختبارا يغلب معه الظن بأنهن صادقات في هجرتهن وفي إيمانهن ، وفي موافقة قلوبهن لألسنتهن . وقد ذكر ابن جرير في كيفية امتحانهن صيغا منها : ما جاء عن ابن عباس أنه قال : كانت المرأة إذا أتت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حلفها بأنها ما خرجت بغضا لزوجها ، ولا رغبة في الانتقال من أرض إلى أرض ، ولا التماسا لدنيا ، وإنما خرجت حبا للَّه ولرسوله « 2 » . وجملة : * ( اللَّه أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ ) * معترضة لبيان أن معرفة خفايا القلوب ، مردها إلى اللَّه - تعالى - وحده . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( اللَّه أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ ) * أي : منكم ، لأنكم لا تكسبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم ، وإن استحلفتموهن ودرستم أحوالهن ، وعند اللَّه حقيقة العلم به « 3 » . والمراد بالعلم في قوله - تعالى - : * ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) * الظن الغالب . أي : فإن غلب على ظنكم بعد امتحانهن أنهن مؤمنات صادقات في إيمانهن ، فأبقوهن عندكم ، ولا ترجعوهن إلى أزواجهن أو إلى أهلهن من الكفار . وسمى الظن القوى علما للإيذان بأنه كالعلم في وجوب العمل بمقتضاه ، وإنما رد الرسول صلى اللَّه عليه وسلم الرجال الذين جاؤه مؤمنين بعد صلح الحديبية ، ولم يرد النساء المؤمنات ، لأن شرط الرد كان في الرجال ولم يكن في النساء - كما سبق أن ذكرنا نقلا عن القرطبي - ، ولأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة ، من إصابة المشرك إياها ، وتخويفها ، وإكراهها على الردة . قال بعض العلماء : قال كثير من المفسرين : إن هذه الآية مخصصة لما جاء في معاهدة صلح الحديبية ، والتي كان فيها من جاء من الكفار مسلما إلى المسلمين ردوه إلى المشركين ، ومن جاء من المسلمين كافرا للمشركين ، لا يردونه على المسلمين ، فأخرجت الآية النساء من المعاهدة ،

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 61 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 28 ص 45 . ( 3 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 517 .