سيد محمد طنطاوي
329
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعطف - سبحانه - على إبراهيم الذين آمنوا معه ، ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم صلى اللَّه عليه وسلم أي : كونوا - أيها المؤمنون - متأسين ومقتدين برسولكم صلى اللَّه عليه وسلم ومطيعين له ، ومستجيبين لتوجيهاته ، كما كان أتباع أبيكم إبراهيم كذلك . ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم الاقتداء به من حال إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه ، فقال : * ( إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ ، ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ، كَفَرْنا بِكُمْ ، وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ والْبَغْضاءُ أَبَداً ، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّه وَحْدَه ) * و * ( إِذْ ) * ظرف زمان بمعنى وقت وحين ، وهو بدل اشتمال من إبراهيم والذين معه . أو خبر لكان . و * ( بُرَآؤُا ) * جمع برئ . يقال : برئ فلان من كذا يبرأ براء وبراءة . إذا ابتعد عنه ، لكراهته له . أي : قد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة في إبراهيم - عليه السلام - وفي الذين آمنوا معه ، وقت أن قالوا لقومهم الكافرين ، بشجاعة وقوة : إنا برآء منكم ، ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون اللَّه - عز وجل - وإننا قد كفرنا بكم وبمعبوداتكم * ( وبَدا ) * أي : وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغض على سبيل التأييد والاستمرار ، ولن نتخلى عن ذلك معكم ، حتى تؤمنوا باللَّه - تعالى - وحده ، وتتركوا عبادتكم لغيره - تعالى - . فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه ، قد أعلنوا بكل شجاعة وشدة ، إيمانهم الكامل بالحق ، وبراءتهم وكراهيتهم واحتقارهم ، لكل من أشرك مع اللَّه - تعالى - في العبادة آلهة أخرى . وأنهم لم يكتفوا بالتغيير القلبي للمنكر ، بل جاهروا بعداوتهم له ، وبالتنزه عن اقترابهم منه . وبتجافيهم عنه . . . ولعل هذا هو أقصى ما كانوا يملكونه بالنسبة لتغيير هذا المنكر في ذلك الوقت . وقد أخبرنا القرآن الكريم أن إبراهيم - عليه السلام - لم يكتف بذلك ، بل حطم الأصنام التي كان يعبدها قومه وقال لهم : أُفٍّ لَكُمْ ولِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه أَفَلا تَعْقِلُونَ . قال صاحب الكشاف : أي : كان فيهم - أي : في إبراهيم ومن آمن معه - مذهب حسن مرضى ، جدير بأن يؤتسى به ، ويتبع أثره ، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا ، حيث كاشفوهم بالعداوة ، وقشروا لهم العصا ، وأظهروا لهم البغضاء والمقت ، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ، ليس إلا كفرهم باللَّه . وما دام هذا السبب قائما ، كانت العداوة قائمة ، حتى إن أزالوه وآمنوا باللَّه وحده ،