سيد محمد طنطاوي

321

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

من كتاب ، فقلنا : أخرجي الكتاب أو لنلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة ، إلى أناس من المشركين بمكة ، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم . فقال صلى اللَّه عليه وسلم « ما هذا يا حاطب ، ؟ » فقال حاطب : لا تعجل علىّ يا رسول اللَّه إني كنت إنسانا ملصقا في قريش ، ولم أكن منها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيها ، أن أصطنع إليهم يدا ، يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن الإسلام . فقال عمر : دعني يا رسول اللَّه أضرب عنقه ، فقال ، صلى اللَّه عليه وسلم : « إنه شهد بدرا ، وما يدريك لعل اللَّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » فنزلت هذه الآيات « 1 » . وقد ذكروا أن هذه القصة كانت في الوقت الذي أعد فيه النبي صلى اللَّه عليه وسلم العدة لأجل العمرة ، سنة صلح الحديبية . وقيل كانت هذه القصة في الوقت الذي تهيأ النبي صلى اللَّه عليه وسلم لفتح مكة ، وكان من بين الذين علموا ذلك حاطب بن أبي يلتعة . والمراد بالعدو هنا : الأعداء عموما ، ويدخل فيهم دخولا أوليا كفار قريش ، الذين أرسل إليهم حاطب بن أبي بلتعة خطابه ، لكي يحذرهم من مهاجمة المسلمين لهم . والمراد بالعداوة : العداوة الدينية التي جعلت المشركين ، يحرصون كل الحرص على أذى المسلمين ، أي : يا من آمنتم باللَّه - تعالى - إيمانا حقا ، احذروا أن تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء وأصدقاء وحلفاء . بل جاهدوهم وأغلظوا عليهم ، واقطعوا الصلة التي بينكم وبينهم . وناداهم بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة الدينية في قلوبهم ولحضهم على الاستجابة لما نهاهم عنه . وقدم - سبحانه - عداوته للمشركين ، على عداوة المؤمنين لهم ، لأن عداوة هؤلاء المشركين للَّه - تعالى - أشد وأقبح ، حيث عبدوا غير خالقهم ، وشكروا غير رازقهم ، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم . وفي الحديث القدسي : « إني والجن والإنس في نبأ عظيم . أخلق ويعبد غيرى ، وأرزق ويشكر سواي . . خيرى إلى العباد نازل ، وشرهم إلى صاعد ، أتحبب إليهم بالنعم . ويتبغضون إلى بالمعاصي « .

--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 65 . وتفسير ابن كثير ج 8 ص 108 .