سيد محمد طنطاوي

30

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقيل : * ( إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * أي : إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها « 1 » . ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال هو ما أشرنا إليه أولا ، من أن معنى الآية الكريمة ، أن اللَّه - تعالى - قد خلق الثقلين لعبادته وطاعته ، ولكن منهم من أطاعه - سبحانه - ، ومنهم من عصاه . لاستحواذ الشيطان عليه . قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر جملة من الأقوال : ومعنى الآية أنه - تعالى - خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له ، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ، ومن عصاه عذبه أشد العذاب . وفي الحديث القدسي : قال اللَّه - عز وجل - « يا ابن آدم ، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ، ولم أسد فقرك . . . » . وفي بعض الكتب الإلهية . يقول اللَّه - تعالى - « يا ابن آدم ، خلقتك لعبادتي فلا تلعب ، وتكفلت برزقك فلا تتعب ، فاطلبنى تجدني . فإن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء » « 2 » . ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن العالمين فقال : * ( ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) * أي : ما أريد منهم منفعة أو رزقا كما يريد الناس بعضهم من بعض . . وما أريد منهم طعاما ولا شرابا ، فأنا الذي أطعم ولا أطعم كما قال - سبحانه - : قُلْ أَغَيْرَ اللَّه أَتَّخِذُ وَلِيًّا ، فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ « 3 » . قال الآلوسي : والآية لبيان أن شأنه - تعالى - مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم ، لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم ، ومالك العبيد نفى أن يكون ملكه إياهم لذلك ، فكأنه - سبحانه - يقول : ما أريد أن أستعين بهم ، كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم ، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي « 4 » . ثم بين - سبحانه - أنه هو صاحب القوة والرزق فقال : * ( إِنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) * أي : إن اللَّه - تعالى - هو الرزاق لغيره دون أحد سواه ، وهو - سبحانه - صاحب القوة التي لا تشبهها قوة ، وهو المتين أي : الشديد القوة - أيضا - فهو صفة للرزاق ، أو لقوله : * ( ذُو ) * ، أو خبر مبتدأ محذوف . وهو مأخوذ من المتانة بمعنى القوة الفائقة .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 56 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 401 . ( 3 ) سورة الأنعام الآية 14 . ( 4 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 22 .