سيد محمد طنطاوي
297
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم إنه - تعالى - وصفهم بأمور ، أولها : أنهم فقراء ، ثانيها : أنهم مهاجرون وثالثها : أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، يعنى أن الكفار أجبروهم على الخروج . . . ورابعها : أنهم يبتغون فضلا من اللَّه ورضوانا ، والمراد بالفضل ثواب الجنة ، وبالرضوان : قوله : ورِضْوانٌ مِنَ اللَّه أَكْبَرُ . وخامسها : قوله : * ( ويَنْصُرُونَ اللَّه ورَسُولَه ) * أي : بأنفسهم وأموالهم . وسادسها : قوله : * ( أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) * يعنى أنهم لما هجروا لذّات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ، ظهر صدقهم في دينهم . . « 1 » . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف المهاجرين في سبيله ، بجملة من المناقب الحميدة . التي استحقوا بسببها الفلاح والفوز برضوان اللَّه . ثم مدح - سبحانه - بعد ذلك الأنصار ، الذين يحبون من هاجر إليهم فقال : * ( والَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ) * . والجملة الكريمة معطوفة على * ( الْمُهاجِرِينَ ) * أو مبتدأ وخبره : * ( يُحِبُّونَ ) * والتبوؤ : النزول في المكان ، ومنه المباءة للمنزل الذي ينزل فيه الإنسان . والمراد بالدار : المدينة المنورة ، وأل للعهد . أي : الدار المعهودة المعروفة وهي دار الهجرة . وقوله : * ( والإِيمانَ ) * منصوب بفعل مقدر . أي : وأخلصوا الإيمان . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى عطف الإيمان على الدار ، ولا يقال : تبوأوا الإيمان ؟ . . قلت معناه : تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان . كقوله : علفتها تبنا وماء باردا . أي : وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم ، لتمكنهم منه ، واستقامتهم عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك . أو أراد : دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ، ووضع المضاف إليه مقامه . . أو سمى المدينة - لأنها دار الهجرة ، ومكان ظهور الإيمان - بالإيمان . . « 2 » . وقوله : * ( مِنْ قَبْلِهِمْ ) * أي : من قبل المهاجرين ، وهو متعلق بقوله * ( تَبَوَّؤُا ) * .
--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 29 ص 287 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 83 .