سيد محمد طنطاوي

294

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

حاجة فأعطاهم ، وبذلك نرى أنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يتقيد في التوزيع لهذه الأموال ، بمن ورد ذكرهم في الآية الثانية . وما دام الأمر كذلك ، فلا حاجة إلى القول بأن الآية الثانية ، بيان وتفصيل للآية الأولى . هذا وهناك أقوال أخرى في معنى هذه الآية ، مبسوطة في كتب الفقه والتفسير ، فليرجع إليها من شاء المزيد من الأحكام الفقهية . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ . . . ) * بيان لحكمة هذا التشريع الذي شرعه - سبحانه - بالنسبة للأموال التي أتت عن طريق الفيء . . والضمير المستتر في قوله : * ( يَكُونَ ) * للفيء . و « الدّولة » بضم الدال المشددة اسم لما يتداوله الناس فيما بينهم من أموال ، فيكون في يد هذا تارة ، وفي يد ذاك تارة أخرى . والدّولة - بفتح الدال المشددة - اسم للنوبة من الظفر والنصر في الحرب وغيرها . يقال : لفلان على فلان دولة ، أي : غلبة ونصر . وبعضهم يرى أن الدولة - بالضم والفتح - بمعنى واحد ، وهو ما يدور ويدول للإنسان من الغنى والنصر . والمعنى : شرعنا لكم هذه الأحكام المتعلقة بتقسيم الفيء ، كي لا يكون المال الناجم عنه ، متداولا بين أيدي أغنيائكم دون فقرائكم . والمقصود بهذه الجملة الكريمة ، إبطال ما كان شائعا في الجاهلية ، من استئثار قواد الجيوش ، ورؤساء القبائل ، بالكثير من الغنائم دون غيرهم ممن اشترك معهم في الحروب ، كما قال أحد الشعراء ، لأحد الرؤساء أو القادة : لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنّشيطة والفضول أي : لك - أيها القائد وحدك - من الغنيمة ربعها ، والصفايا أي : والنفيس منها ، ولك - أيضا ما تحكم به على العدو ، ولك النشيطة ، وهي ما يصيبه الجيش من العدو قبل الحرب ، ولك - كذلك - الفضول ، أي : ما يبقى بعد قسمة الغنائم . وقد أبطل الإسلام كل ذلك ، حيث جعل مصارف الفيء ، تعود إلى المسلمين جميعا ، بطريقة عادلة ، بينها - سبحانه - في هذه الآية وفي غيرها . .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 12 .