سيد محمد طنطاوي
291
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ديار بنى النضير على بعد ميلين من المدينة ، فذهب إليها المسلمون راجلين ، وحاصروها حتى تم استسلام بنى النضير لهم . . قال الآلوسي : روى أن بنى النضير لما أجلوا عن أوطانهم ، وتركوا رباعهم وأموالهم . طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر ، فأنزل اللَّه - تعالى - : * ( وما أَفاءَ اللَّه عَلى رَسُولِه مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْه مِنْ خَيْلٍ ولا رِكابٍ . . . ) * فكانت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خاصة . فقد أخرج البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم عن عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - قال : كانت أموال بنى النضير ، مما أفاء اللَّه - تعالى - : على رسوله صلى اللَّه عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، وكانت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خاصة ، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل اللَّه - تعالى - . وقال الضحاك : كانت أموال بنى النضير لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خاصة ، فآثر بها المهاجرين . وقسمها عليهم ، ولم يعط الأنصار منها شيئا ، إلا ثلاثة منهم أعطاهم لفقرهم . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولكِنَّ اللَّه يُسَلِّطُ رُسُلَه عَلى مَنْ يَشاءُ . . . ) * استدراك على النفي في قوله - تعالى - : * ( فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْه . . . ) * . أي : ليس لكم الحق - أيها المؤمنون - في أموال بنى النضير ، لأنكم لم تظفروا بها عن طريق قتال منكم لهم ، ولكن اللَّه - تعالى - سلط رسوله صلى اللَّه عليه وسلم عليهم وعلى ما في أيديهم ، كما كان يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم ، واللَّه - تعالى - قدير على كل شيء . . . وما دام الأمر كذلك ، فاتركوا رسولكم صلى اللَّه عليه وسلم يتصرف في أموال بنى النضير بالطريقة التي يريدها ويختارها بإلهام من اللَّه - عز وجل - . وقوله - تعالى - : * ( ما أَفاءَ اللَّه عَلى رَسُولِه مِنْ أَهْلِ الْقُرى ، فَلِلَّه ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى . . . ) * يرى كثير من العلماء أنه وارد على سبيل الاستئناف الابتدائي ، وأنه سيق لبيان حكم شرعي جديد ، يختلف عن الحكم الذي أوردته الآية السابقة على هذه الآية . . إذ أن الآية السابقة ، واردة في حكم أموال بنى النضير بصفة خاصة ، وهذه في حكم الفيء بعد ذلك بصفة عامة .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 45 .