سيد محمد طنطاوي

284

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أسباب فرعية ، قد تؤدى إلى إخراجهم ، وقد لا تؤدى ، وللإشعار - أيضا - بأن كل شيء إنما هو بقضاء اللَّه وقدره . . ووصفهم - سبحانه - بالكفر وبأنهم من أهل الكتاب ، للتشنيع عليهم وزيادة مذمتهم ، حيث إنهم جمعوا بين رذيلتين : رذيلة الكفر بالحق ، ورذيلة عدم العمل بكتابهم الذي أمر باتباع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، والذي يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر . و « من » في قوله - تعالى - : * ( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) * للبيان ، حتى لا يظن بأن المراد بالذين كفروا هنا ، مشركو قريش ، وإن كان الجميع يشتركون في الكفر والفسوق والعصيان . وقوله - تعالى - : * ( ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا . . . ) * تذكير للمؤمنين بنعم اللَّه - تعالى - عليهم . أي : ما ظننتم - أيها المؤمنون - أن يهود بنى النضير سيخرجون من ديارهم بتلك السهولة ، وذلك لتملكهم لألوان من القوة ، كقوة السلاح ، وكثرة العدد ، ووجود من يحميهم ممن يسكنون معكم في المدينة ، وهم حلفاؤهم من بنى قومهم ، كبني قريظة وغيرهم ، ومن غير بنى قومهم كالمنافقين الذين وعدوهم ومنوهم . وقوله : * ( وظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّه ) * معطوف على ما قبله . أي : أنتم - أيها المؤمنون - ظننتم أن اليهود لن يخرجوا من ديارهم لما معهم من قوة ، وهم - أيضا - ظنوا أن حصونهم ستمنع بأس اللَّه عنهم ، وأنها ستحول بينهم وبين خروجهم منها ، ونصركم عليهم . وقوله - سبحانه - : * ( فَأَتاهُمُ اللَّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ . . . ) * متفرع عن الظن السابق ، الذي ظنه المؤمنون ، والذي ظنه أعداؤهم وهم بنو النضير . أي : أنتم ظننتم أنهم لن يخرجوا من ديارهم ، وهم ظنوا - أيضا - أن حصونهم ستمنعهم من نصركم عليهم ، فكانت النتيجة أن أتاهم بأس اللَّه وعقابه من حيث لم يحتسبوا ومن حيث لم يخطر ببال ، بأن قذف في قلوبهم الرعب والفزع فخرجوا من حصونهم التي تمنعوا بها ، ومن ديارهم التي سكنوها زمنا طويلا صاغرين أذلاء . والتعبير بقوله : * ( مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) * إشارة إلى أن ما نزل بهم من هزيمة ، لم يكونوا يتوقعونها أصلا ، إذ الاحتساب مبالغة في الحسبان ، أي : أتاهم عقاب اللَّه - تعالى - من المكان الذي كانوا يعتقدون أمانهم فيه ، وفي زمان لم يكونوا أصلا يتوقعون حلول هزيمتهم عنده .