سيد محمد طنطاوي

282

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والذي يتدبر القرآن الكريم ، يجد أن اللَّه - تعالى - قد ذكر فيه أن كل شيء في هذا الكون يسبح بحمده - تعالى - ، كما في قوله : وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ كما ذكر - سبحانه - أن الملائكة تسبح له ، كما في قوله : ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ . . . . وكذلك الرعد ، كما في قوله : ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِه والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه . . . . وكذلك الجبال والطير قال - تعالى - : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإِشْراقِ والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَه أَوَّابٌ « 1 » . وقد سبق أن ذكرنا خلال تفسيرنا لقوله - تعالى - : وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . . أن الرأي الذي تطمئن إليه النفس ، أن التسبيح حقيقي ، ولكن بلغة لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - « 2 » . والمعنى : سبح للَّه - تعالى - ونزهه عن كل ما لا يليق به ، جميع ما في السماوات وجميع ما في الأرض من كائنات ومخلوقات . وهو - عز وجل - * ( الْعَزِيزُ ) * الذي لا يغلبه غالب * ( الْحَكِيمُ ) * في أقواله وأفعاله . وقد افتتحت بعض السور - كسورة الحديد والحشر والصف - بالفعل الماضي ، لإفادة الثبوت والتأكيد ، وأن التسبيح قد تم فعلا . وافتتحت بعض السور ، كسورة الجمعة والتغابن - بالفعل المضارع « يسبح » لإفادة تجدد هذا التسبيح في كل وقت ، وحدوثه في كل لحظة . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين ، حيث نصرهم على أعدائهم ، فقال : * ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ . . . ) * . والمراد بالذين كفروا من أهل الكتاب هنا : يهود بنى النضير ، وقصتهم معروفة في كتب السنة والسيرة ، وملخصها : أن هؤلاء اليهود كانوا يسكنون في ضواحي المدينة فذهب إليهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم ليستعين بهم في دفع دية لقتيلين قتلهما بعض المسلمين خطأ ، فاستقبلوه استقبالا حسنا ، وأظهروا له صلى اللَّه عليه وسلم استعدادهم للمساعدة فيما يطلبه منهم ، ثم خلا بعضهم ببعض وقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ، فمن منكم يصعد إلى أعلى هذا البيت الذي يجلس تحته محمد صلى اللَّه عليه وسلم فيلقى عليه حجرا فيريحنا منه .

--> ( 1 ) سورة ص آية 18 ، 19 . ( 2 ) راجع تفسيرنا لسورة الإسراء الآية 44 ص 361 .