سيد محمد طنطاوي

279

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم مقدمة وتمهيد 1 - سورة « الحشر » من السور المدنية الخالصة ، وقد عرفت بهذا الاسم منذ العهد النبوي ، وسماها ابن عباس بسورة « بنى النضير » فقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : سورة الحشر . قال : « سورة بنى النضير » ولعل ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - سماها بهذا الاسم لحديثها المفصل عن غزوة بنى النضير . 2 - وعدد آياتها أربع وعشرون آية ، وكان نزولها بعد سورة « البينة » وقبل سورة « النصر » أي : أنها تعتبر من أواخر ما نزل على النبي صلى اللَّه عليه وسلم من سور قرآنية فهي السورة الثامنة والتسعون في ترتيب النزول . أما ترتيبها في المصحف ، فهي السورة التاسعة والخمسون . 3 - وقد افتتحت سورة « الحشر » بتنزيه اللَّه - تعالى - عما لا يليق به ، ثم تحدثت عن غزوة « بنى النضير » ، فذكرت جانبا من نصره لعباده المؤمنين ومن خذلانه لأولئك الضالين . . قال - تعالى - : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ ، ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ، وظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّه ، فَأَتاهُمُ اللَّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ، وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ . . . 4 - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن تقسيم أموال بنى النضير ، وعن حكمة اللَّه - تعالى - في إرشاده النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى هذا التقسيم ، فقال - سبحانه - : ما أَفاءَ اللَّه عَلى رَسُولِه مِنْ أَهْلِ الْقُرى ، فَلِلَّه ، ولِلرَّسُولِ ، ولِذِي الْقُرْبى ، والْيَتامى ، والْمَساكِينِ ، وابْنِ السَّبِيلِ ، كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ، وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه ، وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا ، واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ 5 - وبعد أن أثنت السورة الكريمة على المهاجرين لبلائهم وإخلاصهم وعفة نفوسهم ، كما أثنت على الأنصار لسخائهم ، وطهارة قلوبهم . . . بعد كل ذلك أخذت السورة في التعجيب من حال المنافقين ، الذين تحالفوا مع اليهود ضد المؤمنين ، وذكرت جانبا من أقوالهم الكاذبة ، ووعودهم الخادعة . .