سيد محمد طنطاوي

26

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( وهُمْ يَنْظُرُونَ ) * أي : وهم يرونها عيانا ، لأن العذاب - كما تشير الآية - نزل بهم نهارا . * ( فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ) * أي : أنه حين نزل بهم عذابنا ، أعجزهم عن الحركة ، وشل حواسهم ، فما استطاعوا أن يهربوا منه . وما قدروا على القيام بعد أن كانوا قاعدين ، وما نصرهم من بأسنا ناصر . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بلمحة عن قصة نوح - عليه السلام - فقال * ( وقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ) * أي : وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء جميعا بالطوفان . * ( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) * أي : خارجين عن طاعتنا ، منغمسين في الكفر والعصيان . وهكذا ساقت السورة الكريمة جانبا من قصص هؤلاء الأنبياء ، ليكون في ذلك تسلية للنبي صلى اللَّه عليه وسلم وتذكرة للمتذكرين . وبعد هذا الحديث عن هؤلاء الأقوام . . جاء الحديث عن مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - وسعة رحمته ، ووافر نعمه ، وحض الناس على شكره - تعالى - وطاعته . فقال - عز وجل - : [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 47 إلى 51 ] والسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) والأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ( 48 ) ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 ) فَفِرُّوا إِلَى اللَّه إِنِّي لَكُمْ مِنْه نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْه نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 ) ولفظ * ( السَّماءَ . . . ) * منصوب على الاشتغال . أي : وبنينا السماء بنيناها * ( بِأَيْدٍ ) * أي : بقوة وقدرة . يقال : آد الرجل يئيد - كباع - إذا اشتد وقوى . * ( وإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) * أي : وإنا لقادرون على توسعتها بتلك الصورة العجيبة من الوسع بمعنى القدرة والطاقة ، يقال : أوسع الرجل ، أي : صار ذا سعة ، والمفعول محذوف ، أي : وإنا لموسعون السماء ، أو الأرزاق . فالجملة تصوير بديع لمظاهر قدرة اللَّه ، وكمال قوته ، وواسع فضله . * ( والأَرْضَ فَرَشْناها ) * أي : وفرشنا الأرض بقدرتنا - أيضا - ، بأن مهدناها وبسطناها وجعلناها صالحة لمنفعتكم وراحتكم .