سيد محمد طنطاوي

254

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وجملة * ( ونَسُوه ) * حال من مفعول أحصى أي : والحال أنهم قد نسوا ما عملوه ، لتهاونهم به حين اقترفوه ، ولاعتقادهم بأنهم لن يسألوا عنه يوم القيامة ، فهم قد أنكروا البعث والحساب والثواب والعقاب . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) * أي : واللَّه - تعالى - مشاهد لكل شيء في هذا الكون ، ولا تخفى عليه خافية من أحوال خلقه . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ووُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيه ، ويَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 1 » . ثم أقام - سبحانه - الأدلة على شمول علمه فقال : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ، ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) * . والاستفهام في قوله : * ( أَلَمْ تَرَ . . ) * للتقرير ، والرؤية بمعنى العلم والإدراك القلبي . . والخطاب لكل من هو أهل له . والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة ، يقال : نجوته نجوا ونجوى وناجيته مناجاة ، أي : ساررته بكلام على انفراد . وأصله : ان تخلو بمن تناجيه بسر معين في نجوة من الأرض ، أي : في مكان مرتفع منفصل عما حوله . وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشيء فيه معاونة على النجاة . وتطلق النجوى على القوم المتناجين ، كما في الآية التي معنا . قال الآلوسي : وقوله - تعالى - : * ( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) * استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه - تعالى - ، و « يكون » من كان التامة . و « من » مزيدة و « نجوى » فاعل ، وإضافتها إلى ثلاثة من إضافة المصدر إلى فاعله . . والاستثناء في قوله * ( إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) * مفرغ من أهم الأحوال . . . « 2 » . والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - علما لا يخالطه شك أو تردد ، أن اللَّه - تعالى - يعلم علما تاما ، ما في السماوات وما في الأرض من كائنات مختلفة الأجناس والأنواع . . وأنه - سبحانه - ما يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم إلا وهو تعالى - يعلمه ، كأنه حاضر معهم ، ومشاهد لهم ، كما يعلمه الرابع حين يكون معهم في التناجي . * ( ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ) * أي : ولا يكون التناجي بين خمسة إلا وهو - سبحانه - معهم ، يعلم ما يتناجون به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو كان التناجي بين ستة .

--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 49 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 23 .