سيد محمد طنطاوي

248

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قد ظاهر في الجاهلية ، مع أن هذا ليس بلازم . إذ لم يثبت أن « أوس بن الصامت » كان قد ظاهر من زوجته في الجاهلية ، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر في الإسلام . ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة : تكرار لفظ الظهار ، فمعنى ثم يعودون لما قالوا : ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى . وكان أصحاب هذا القول يرون ، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار ، وهو قول لا يؤيده دليل ، لأنه لم يثبت أن خولة - أو غيرها - كرر عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة ، بل الثابت أنه عندما قال لها : أنت على كظهر أمي ، ذهبت إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وقصت عليه ما جرى بينها وبين زوجها . وقد رجح الإمام ابن جرير الرأي الأول فقال : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : معنى اللام في قوله : * ( لِما قالُوا ) * بمعنى إلى أو في ، لأن معنى الكلام : ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه ، وإن قيل : ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا ، أو في تحليل ما حرموا فصواب ، لأن كل ذلك عود له ، فتأويل الكلام : ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله اللَّه لهم « 1 » . والمعنى : والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم ، ثم يندمون على ما فعلوا ، ويريدون أن يعودوا عما قالوه ، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم . فعليهم في هذه الحالة إعتاق رقبة * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) * أي : من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر ، أي يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل التكفير . والمراد بالرقبة : المملوك ، من تسمية الكل باسم الجزء . واسم الإشارة في قوله - سبحانه - * ( ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِه واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * يعود إلى الحكم بالكفارة . أي : ذلكم الذي شرعنا لكم - أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به ، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التي تؤدى إلى الظهار ، واللَّه - تعالى - خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال ، وما تفعلونه من أفعال - وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا . وما دام الأمر كذلك ، فافعلوا ما أمركم به ، واجتنبوا ما نهاكم عنه .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 28 ص 8 .