سيد محمد طنطاوي
22
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
هذا الحكم هو حكم ربك . وهذا القول الذي بشرناك به هو قوله - سبحانه - وقوله لا مرد له : إنه - تعالى - هو الحكيم في كل أقواله وأفعاله . العليم بأحوال خلقه . وهنا عرف إبراهيم - عليه السلام - حقيقة ضيوفه : فأخذ يسألهم : * ( قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) * والخطب : الأمر الهام ، والشأن الخطير ، وجمعه خطوب . أي : قال لهم إبراهيم بعد أن اطمأن إليهم ، وعلم أنهم ملائكة . فما شأنكم الخطير الذي من أجله جئتم إلى أيها المرسلون بعد هذه البشارة ؟ . * ( قالُوا ) * في الإجابة عليه ، * ( إِنَّا أُرْسِلْنا ) * ، بأمر ربنا * ( إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) * قوم لوط * ( لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ) * أي : لنرسل عليهم - بعد قلب قراهم - حجارة من طين متحجر ، حالة كون هذه الحجارة * ( مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ) * أي : معلمة عند اللَّه - تعالى - وفي علمه ، وقد أعدها - سبحانه - لرجم هؤلاء الذين أسرفوا في عصيانهم له - تعالى - وأتوا بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين . فقوله : * ( مُسَوَّمَةً ) * حال من الحجارة ، والسّومة : العلامة . ومنه قوله - تعالى - : والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ . والفاء في قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) * هي الفصيحة ، لأنها قد أفصحت عن كلام محذوف . والمعنى : ففارق الملائكة إبراهيم ذاهبين إلى قوم لوط لإهلاكهم وجرى بينهم وبين لوط - عليه السلام - ما جرى ثم أخذوا في تنفيذ ما كلفناهم به ، فأخرجنا - بفضلنا ورحمتنا - من كان في قرية لوط من المؤمنين دون أن يمسهم عذابنا ، فما وجدنا في تلك القرية غير أهل بيت واحد من المسلمين ، أما بقية سكان هذه القرية فقد دمرناهم تدميرا . ووصف - سبحانه - الناجين من العذاب - وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته - بصفتي الإيمان والإسلام ، على سبيل المدح لهم ، أي : أنهم كانوا مصدقين بقلوبهم ، ومنقادين لأحكام اللَّه - تعالى - بجوارحهم . قال ابن كثير : احتج بهاتين الآيتين من ذهب إلى رأى المعتزلة ، ممن لا يفرقون بين معنى الإيمان ، والإسلام ، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين وهذا الاستدلال ضعيف ، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين ، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس ، فاتفق الاسمان هنا لخصوصية الحال ، ولا يلزم ذلك في كل حال « 1 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 399 .