سيد محمد طنطاوي

220

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الستر والإخفاء ، يقال : كفر الزارع بذره أو زرعه إذا أخفاه في الأرض ، حتى لا يتعرض للتلف أو الضياع . وقوله - سبحانه - : * ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراه مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً ) * . والهيجان : الاضطراب والثوران ، ومنه سميت الحرب بالهيجاء ، لأن فيها يضطرب المقاتلون ، ويثور بعضهم على بعض . ويرى بعضهم أن معنى * ( يَهِيجُ ) * هنا : ييبس ويجف . وعطف - سبحانه - جملة * ( يَهِيجُ ) * بحرف * ( ثُمَّ ) * لإفادة التراخي الرتبى ، إذ أن وصول النبات إلى درجة من الهيجان وبلوغ منتهاه ، لا يتأتى إلا بعد زمن طويل من بدء زراعته . ولم يرتض بعض المحققين هذا المعنى فقال : تفسير * ( يَهِيجُ ) * بييبس فيه تسامح ، فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له . أي : من الطول والغلظ « 1 » . أي : ثم يتحرك هذا النبات الذي أعجب الكفار إلى أقصى ما يتأتى له من طول وقوة ، ثم يبدأ في الضعف ، فتراه - أيها الناظر إليه - نباتا مصفرا متغيرا عما كان عليه من النضرة ، آخذا في الذبول وفي التهيؤ للحصاد ، ثم يكون بعد ذلك حطاما ، أي : نباتا محطما مكسرا . والمقصود بقوله - تعالى - * ( كَمَثَلِ غَيْثٍ . . ) * إلخ التقرير والتأكيد لما وصفت به الدنيا من كونها لعبا ولهوا وزينة . وتشبيهها في سرعة زوالها ، وانقضاء نعيمها ، وقلة فائدتها . . بحال نبات ظهر على الأرض بعد هطول المطر عليها ، واستمر في ظهوره وجماله ونضرته وهيجانه ، لفترة مّا من الحياة ، أعجب خلالها الكفار به ، ثم حل بهذا النبات اليانع الاصفرار والاضمحلال حتى صار حطاما مفتتا تذروه الرياح . والمقصود بهذا التشبيه ، زجر الناس عن الركون إلى الحياة الدنيا ركونا ينسون معه فرائض اللَّه - تعالى - وتكاليفه التي كلفهم بها - سبحانه - . وعطف - سبحانه - : * ( فَتَراه مُصْفَرًّا ) * بالفاء للإشعار بقصر المسافة ، مهما طالت في عرف الناس - بين نضرة الزرع واستوائه ، وبين اصفراره ونهايته . قال صاحب الكشاف - رحمه اللَّه - : أراد - سبحانه - أن الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور ، وهي اللعب واللهو . . . وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 292 .