سيد محمد طنطاوي
216
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كتابه ، كل ذلك يكون له أثره في خشوع النفوس ، وفي طهارة القلوب . . . كأثر المطر عندما ينزل على الأرض الجدباء المقفرة . . . فما تلبث إلا أن تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج . قال الإمام الرازي : قوله - تعالى - : * ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) * . فيه وجهان : الأول : أنه تمثيل . والمعنى : أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة ، المواظبة على الذكر سبب لعودة حياة الخشوع إليها ، كما يحيى اللَّه - تعالى - الأرض بالغيث . والثاني : أن المراد من قوله : * ( يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) * ، بعث الأموات فذكر ذلك ترغيبا في الخشوع والخضوع ، وزجرا عن القساوة « 1 » . والمراد بالآيات في قوله - تعالى - : * ( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) * الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلمه - سبحانه - . أي : قد بينا لكم الدلائل والبراهين الناطقة بقدرتنا وحكمتنا . . لعلكم بهذا البيان تعقلون ما أرشدناكم إليه ، وتعملون بموجب ما عقلتموه ، وبذلك تنالون الفلاح والسعادة ، وتخشع قلوبكم لذكرنا ولآياتنا . ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الذين يبذلون أموالهم في سبيله . والذين صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه . فقال : * ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ والْمُصَّدِّقاتِ وأَقْرَضُوا اللَّه قَرْضاً حَسَناً ، يُضاعَفُ لَهُمْ ، ولَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) * . وقراءة : * ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ والْمُصَّدِّقاتِ ) * بتشديد الصاد - من التصدق ، فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما . . . وأصل الكلام : المتصدقين والمتصدقات . وقرأ ابن كثير وغيره * ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ والْمُصَّدِّقاتِ ) * - بتخفيف الصاد - على أنه من التصديق لما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : علام عطف قوله : * ( وأَقْرَضُوا ) * ؟ قلت : على معنى الفعل في المصدقين ، لأن « أل » بمعنى الذين ، واسم الفاعل بمعنى : اصّدقوا ، فكأنه قيل : « إن الذين أصدقوا وأقرضوا » « 2 » . والمعنى : إن المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا بأموالهم في وجوه الخير والدين * ( وأَقْرَضُوا اللَّه قَرْضاً حَسَناً ) * بأن أنفقوا أموالهم الحلال في سبيل اللَّه بدون من أو أذى .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 29 ص 231 . طبعة دار الفكر - بيروت . ( 2 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 65 .