سيد محمد طنطاوي

209

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : واذكر - أيها العاقل - لتتعظ ولتعتبر ، يوم تبصر المؤمنين والمؤمنات * ( يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ ) * . والأيمان : جمع يمين . والمراد جهة اليمين . أي : يتحرك نورهم معهم من أمامهم ، ومن جهة يمينهم ، على سبيل التشريف والتكريم لهم . قال ابن كثير : يقول - تعالى - مخبرا عن المؤمنين المتصدقين ، أنهم يوم القيامة ، يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة بحسب أعمالهم ، كما قال عبد اللَّه بن مسعود : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، ويمرون على الصراط ، منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم « 1 » . وعطف - سبحانه - * ( الْمُؤْمِناتِ ) * على * ( الْمُؤْمِنِينَ ) * للتنبيه على أن كلا من الذكر والأنثى . له أجره على عمله الصالح ، بدون إجحاف أو محاباة لجنس على جنس ، كما قال - تعالى - : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طَيِّبَةً ، ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 2 » . والباء في قوله : * ( وبِأَيْمانِهِمْ ) * بمعنى عن . واقتصر على ذكر الأيمان على سبيل التشريف لتلك الجهة ، والمراد أن نورهم يحيط بهم من جميع جوانبهم . وقوله : * ( بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * مقول لقول محذوف . وقوله : * ( بُشْراكُمُ ) * اسم مصدر من بشر . أي : أخبر بما يسر . والمعنى : تقول لهم الملائكة على سبيل التكريم والتحية : نبشركم اليوم بجنات عظيمة . تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار العذبة ، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا ، وذلك الذي أنتم فيه من نور يسعى بين أيديكم ، ومن جنات أنتم خالدون فيها . . هو الفوز العظيم ، الذي لا يعادله فوز أو فلاح . وقوله - عز وجل - : * ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ والْمُنافِقاتُ ) * بدل من قوله - تعالى - * ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ) * . أي : واذكر - أيها العاقل - أيضا - يوم يقول المنافقون والمنافقات ، الذين أظهروا الإسلام ، وأبطنوا الكفر ، يقولون للذين آمنوا ، على سبيل التذلل والتحسر .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 308 . ( 2 ) سورة النحل الآية 97 .