سيد محمد طنطاوي

20

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والضيف في الأصل مصدر بمعنى الميل ، يقال ضاف فلان فلانا إذا مال كل واحد منهما نحو الآخر ، ويطلق على الواحد والجماعة . والمراد هنا : جماعة الملائكة الذين قدموا على إبراهيم - عليه السلام - وعلى رأسهم جبريل ، ووصفهم بأنهم كانوا مكرمين ، لإكرام اللَّه - تعالى - لهم بطاعته وامتثال أمره . ولإكرام إبراهيم لهم ، حيث قدم لهم أشهى الأطعمة وأجودها . قال الآلوسي : قيل : كانوا اثنى عشر ملكا وقيل : كانوا ثلاثة : جبريل وإسرافيل وميكائيل . وسموا ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف ، ولأن إبراهيم - عليه السلام - حسبهم كذلك ، فالتسمية على مقتضى الظاهر والحسبان . وبدأ بقصة إبراهيم وإن كانت متأخرة عن قصة عاد ، لأنها أقوى في غرض التسلية « 1 » . والظرف في قوله : * ( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْه . . ) * متعلق بلفظ * ( حَدِيثُ ) * السابق . أي : هل بلغك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه . . أو بمحذوف تقديره : اذكر ، أي : اذكر وقت أن دخلوا عليه * ( فَقالُوا سَلاماً ) * ، أي : فقالوا نسلم عليك سلاما . * ( قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) * أي : قال إبراهيم في جوابه عليهم : عليكم سلام ، أنتم قوم منكرون أي : غير معروفين لي قبل ذلك . قال صاحب الكشاف : أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام ، أو أراد أنهم ليسوا من معارفه ، أو من جنس الناس الذين عهدهم . . أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس وشكلهم ، أو كان هذا سؤالا لهم ، كأنه قال : أنتم قوم منكرون فعرفوني من أنتم . . « 2 » . وقيل : إن إبراهيم قد قال ذلك في نفسه ، والتقدير : هؤلاء قوم منكرون ، لأنه لم يرهم قبل ذلك . وقال إبراهيم في جوابه عليهم * ( سَلامٌ ) * بالرفع ، لإفادة الدوام والثبات عن طريق الجملة الاسمية ، التي تدل على ذلك ، وللإشارة إلى أدبه معهم ، حيث رد على تحيتهم بأفضل منها . ثم بين - سبحانه - ما فعله إبراهيم بعد ذلك فقال : * ( فَراغَ إِلى أَهْلِه فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ) * أي : فذهب إلى أهله في خفية من ضيوفه . فجاء إليهم بعجل ممتلئ لحما وشحما . يقال : راغ فلان إلى كذا ، إذا مال إليه في استخفاء وسرعة .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 11 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 401 .