سيد محمد طنطاوي

201

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بهم ، وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا ، وقيل المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السياق واللحاق مع استحالة الحقيقة . وقد أول السلف هذه الآية بذلك ، أخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال فيها : عالم بكم أينما كنتم . وأخرج - أيضا - عن سفيان الثوري انه سئل عنها فقال : علمه معكم . وفي البحر : أنه أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها ، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( واللَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * أي : واللَّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أقوالكم أو أفعالكم . . بل هو مطلع عليكم اطلاعا تاما . ثم أكد - سبحانه - كمال قدرته فقال * ( لَه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * أي : له - سبحانه - التصرف الكلى في السماوات والأرض . وفيما فيهما من موجودات ، من حيث الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات . * ( وإِلَى اللَّه تُرْجَعُ الأُمُورُ ) * أي : وإلى اللَّه - تعالى - وحده لا إلى غيره ، مرد الأمور كلها ، والحكم عليها ، والتصرف فيها . . وليس إلى أحد غيره لا على سبيل الاستقلال ، ولا على سبيل الاشتراك . * ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) * أي : يدخل - سبحانه - طائفة من الليل في النهار ، فيقصر الليل ويزيد النهار ويدخل طائفة من النهار في الليل ، فيقصر النهار ، ويزيد الليل ، ثم يسيران على هذا النظام البديع ، دون أن يسبق أحدهما الآخر . * ( وهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * و « ذات » هنا مؤنث ذو بمعنى صاحب . أي : وهو - سبحانه - عليم علما تاما بمكنونات الصدور ، وما تضمره من خير أو شر وما يتردد فيها من خواطر وأفكار . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا ، يراها قد اشتملت على بضع عشرة صفة ، من صفات اللَّه عز وجل - الدالة على وجوب إخلاص العبادة له ، والانقياد لأمره ونهيه .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 168 .