سيد محمد طنطاوي

182

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أو هي لام القسم - بعينها - أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف أي : فلأقسم . . وقيل إن لا هنا للنفي والرد على ما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر . كأنه قيل : فلا صحة لما يقولون فيه ، ثم استؤنف فقيل أقسم . . وقال بعضهم إن « لا » كثيرا ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح ، كما في قولهم لا وأبيك . . وقال أبو مسلم وجمع : إن الكلام على ظاهره المتبادر منه . والمعنى : لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم . أي : لا يحتاج إلى قسم أصلا ، فضلا عن هذا القسم العظيم . . « 1 » . والمواقع : جمع موقع ، وموقع الشيء ما يوجد فيه ، وما يسقط من مكان مرتفع . فالمراد بمواقع النجوم : مساقطها التي تسقط فيها عند غروبها . . وقيل : مواضعها من بروجها في السماء ، ومنازلها منها . . وقيل : المراد مواقعها يوم القيامة عدما تنتشر وتتفرق . . وأقسم - سبحانه - بذلك ، للتنوية بشأنها ، ولما فيها من الدلالة على أن لهذا الكون خالقا قادرا حكيما ، يسير كواكبه بدقة ونظام بديع ، لا اختلال معه ولا اضطراب . . إذ كل نجم من هذه النجوم المتناثرة في الفضاء ، له مجاله الذي يغيب فيه ، وله مكانه الذي لا يصطدم فيه بغيره . قال بعض العلماء : إن هذه النجوم والكواكب ، التي تزيد على عدة بلايين نجم ، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة ، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة ، وما يمكن أن تحس به الأجهزة ، دون أن تراه كلها تسبح في الفلك الغامض ، ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسى لنجم ، من مجال نجم آخر ، أو يصطدم بكوكب آخر . . « 2 » . ومن العلماء من يرى أن المراد بمواقع النجوم أوقات نزول القرآن نجما نجما ، وطائفة من الآيات تلى طائفة أخرى . . قال ابن كثير : واختلفوا في معنى قوله « بمواقع النجوم » فعن ابن عباس أنه يعنى نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر ، من السماء العليا إلى السماء الدنيا ، ثم نزل مفرقا بعد ذلك . . وعن قتادة : « مواقع النجوم » منازلها . . وقال مجاهد : مطالعها ومشارقها . . وعن الحسن : انتشارها يوم القيامة . . « 3 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 152 . ( 2 ) من كتاب « اللَّه والعلم الحديث » ص 33 للأستاذ عبد الرازق نوفل . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 399 .