سيد محمد طنطاوي
173
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
التي لا يرويها الماء مهما كثر لأنها مصابة بداء ، هذا الداء يمنعها من الشبع منه ، فما تزال تشرب منه حتى تهلك . فقوله : * ( الْهِيمِ ) * صفة لموصوف محذوف ، أي : الإبل الهيم ، جمع أهيم للمذكر . وهيماء للمؤنث . والهيام - بضم الهاء - داء يصيب الإبل ، يجعلها تشرب فلا تشبع ، وما تزال تشرب حتى تهلك ، أو تسقم سقما شديدا يؤدى إلى موتها ، والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَشارِبُونَ عَلَيْه ) * عطف على * ( لآكِلُونَ . . . ) * لإفادة أن شربهم مع عطشهم الشديد ، يأتي بعد أكلهم من الزقوم ، بدون مهلة أو استراحة . وقوله : * ( فَشارِبُونَ شُرْبَ . . . ) * تأكيد لما قبله ، للتنبيه على أن هذا الشراب - مع فظاعته وقبحه - لا مفر لهم منه ، ولا انفكاك لهم عنه . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بقوله : * ( هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ) * والنزل : ما يعد للضيف من منزل حسن ، ومأكل حسن لإكرامه . أي : هذا المذكور من أنواع العذاب المهين . . نزلهم ومسكنهم ومقرهم أول قدومهم يوم الجزاء . . . فالإشارة بقوله : * ( هذا ) * إلى ما ذكر قبل ذلك من عذاب مهين ، من مظاهره أكلهم من الزقوم ، وشربهم من الحميم . . والتعبير عما أعد لهم من عذاب بالنزل ، على سبل التهكم ، كما في قول الشاعر : وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلا وبذلك نرى الآيات الكريمة ، وقد بينت ما أعد لأصحاب الشمال ، من عذاب مهين ، بأسلوب تقشعر من هوله الأبدان . . . وبعد هذا الحديث الجامع عن أقسام الناس يوم القيامة ، وعن جزاء كل قسم . . . أخذت السورة الكريمة في إقامة الأدلة على وحدانية اللَّه - تعالى - وعلى كمال قدرته . . . وجاءت هذه الأدلة لا عن طريق أمور تخييلية ، أو فلسفية ، أو غيبية . . . وإنما عن طريق أمور يحسونها بأنفسهم ، ويشاهدونها بأعينهم . . عن طريق خلقهم ، وزروعهم التي يزاولونها بأيديهم ، والماء الذي يشربونه ، والنار التي يوقدونها . . لنستمع إلى السورة الكريمة ، وهي تحكى كل ذلك فتقول :