سيد محمد طنطاوي

170

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - : * ( وأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ) * . أي : ما قصة هؤلاء القوم ؟ وما حالهم ؟ وما جزاؤهم ؟ . . ثم بين - سبحانه - ذلك فقال : * ( فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ ) * والسموم : الريح الشديدة الحرارة . التي تدخل في مسام الجسد ، فكأنها السم القاتل . والحميم : الماء الذي بلغ النهاية في الغليان . أي : هم في الآخرة مستقرون فيما يهلكهم من الريح الحارة ، والماء الشديد الغليان . وهم كذلك في * ( ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ) * أي : في دخان أسود شديد يخنق أنفاسهم ، والعرب يقولون لكل شيء شديد السواد : أسود يحموم ، مأخوذ من الشيء الأحم ، وهو الأسود من كل شيء ، ومثله الحمم . و * ( مِنْ ) * في قوله : * ( مِنْ يَحْمُومٍ ) * للبيان . إذ الظل هنا هو نفس اليحموم وتسميته ظلا من باب التهكم بهم . وقوله - تعالى - : * ( لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ ) * صفتان للظل . أي : هذا الظل لا شيء فيه من البرودة التي يستروح بها من الحر . ولا شيء فيه من النفع لمن يأوى إليه . فهاتان الصفتان لبيان انتفاء البرودة والنفع عنه ، ومتى كان كذلك انتفت عنه صفات الظلال التي يحتاج إليها . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : * ( لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ ) * نفى لصفتى الظل عنه ، يريد أنه ظل ولكن لا كسائر الظلال سماه ظلا ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوى إليه من أذى الحر ، ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه . والمعنى : أنه ظل حار ضار ، إلا أن للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات ، وفيه تهكم بأصحاب المشأمة ، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم ، الذي هو لأضدادهم في الجنة . . « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 50 .