سيد محمد طنطاوي

161

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ما بعدها ، وهذه الجملة خبر لقوله * ( فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) * . ووضع فيها الاسم الظاهر موضع الضمير للتفخيم ، بخلاف وضعه في أصحاب المشأمة ، فهو للتشنيع عليهم . وشبيه بهذا الأسلوب قوله - تعالى - : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ والْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ ولا يؤتى بمثل هذا التركيب إلا في مواضع التفخيم ، أو التعجيب . . والمعنى : فأصحاب الميمنة ، أي شيء هم في أحوالهم وصفاتهم الكريمة ، وأصحاب المشأمة ، أي شيء هم في أحوالهم وصفاتهم القبيحة ؟ . وقد ترك هذا الاستفهام التعجيبى على إبهامه ، لتذهب النفس فيه كل مذهب من الثواب أو العقاب . . وقوله : * ( والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) * هؤلاء هم الصنف الثالث ، وهم الذين سبقوا غيرهم إلى كل قول أو فعل فيه طاعة للَّه - تعالى - وتقرب إلى جلاله . والأظهر في إعراب مثل هذا التركيب ، أنه مبتدأ وخبر ، على عادة العرب في تكريرهم اللفظ ، وجعلهم الثاني خبرا عن الأول ، ويعنون بذلك أن اللفظ المخبر عنه ، معروف خبره ، ولا يحتاج إلى تعريفه ، كما في قول الشاعر : أنا أبو النجم ، وشعري شعري يعنى : أن شعري هو الذي أتاك خبره ، وانتهى إليك وصفه . . والمعنى : والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم . وعرفت منزلتهم ، وبلغت من الرفعة مبلغا لا يفي به إلا الإخبار عنهم بهذا الوصف . وحذف - سبحانه - المتعلق في الآية لإفادة العموم ، أي : هم السابقون إلى كل فضل ومكرمة وطاعة . . وأخرهم - سبحانه - عن أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ، لتشويق السامع إلى معرفة أحوالهم ، وبيان ما أعد لهم من ثواب عظيم ، فصله بعد ذلك في قوله - تعالى - : * ( أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . . . ) * أي : والسابقون غيرهم إلى كل فضيلة وطاعة ، أولئك هم المقربون عند اللَّه - تعالى - وأولئك هم الذين مقرهم جنات النعيم . فالجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأنها جواب يثيره في النفوس قوله - تعالى - * ( والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) * و * ( أُولئِكَ ) * مبتدأ ، وخبره ما بعده . وما فيه من معنى البعد ، مع قرب العهد بالمشار إليه ، للإشعار يسمو منزلتهم عند اللَّه - تعالى - ولفظ * ( الْمُقَرَّبُونَ ) *