سيد محمد طنطاوي

15

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ) * أي : هم منعمون في الجنات وما اشتملت عليه من عيون جارية ، حالة كونهم آخذين وقابلين لما أعطاهم ربهم من فضله وإحسانه . وقوله : * ( إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ) * بمثابة التعليل لما قبله . أي : هم في هذا الخير العميم من ربهم لأنهم ، كانوا قبل ذلك - أي : في الدنيا - محسنين لأعمالهم ، ومؤدين لكل ما أمرهم به - سبحانه - بإتقان وإخلاص . ثم بين - سبحانه - مظاهر إحسانهم فقال : * ( كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ) * أي كانوا ينامون من الليل وقتا قليلا ، أما أكثره فكانوا يقضونه في العبادة والطاعة . والهجوع : النوم ليلا ، وقيده بعضهم بالنوم القليل ، إذ الهجعة هي النومة الخفيفة ، تقول : أتيت فلانا بعد هجعة ، أي بعد نومة قليلة . عن الحسن قال : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله ، كابدوا قيام الليل . ثم مدحهم - سبحانه - بصفة أخرى فقال : * ( وبِالأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * والأسحار جمع سحر ، وهو الجزء الأخير من الليل . أي ، وكانوا في أوقات الأسحار يرفعون أكف الضراعة إلى اللَّه - تعالى - يستغفرونه مما فرط منهم من ذنوب ، ويلتمسون منه - تعالى - قبول توبتهم وغسل حوبتهم . قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي الآية إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون ، ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك ، وأخلص منه ، ويستغفرون من التقصير ، وهذه سيرة الكريم : يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ، ويعتذر من التقصير ، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره . وفيه وجه آخر ألطف منه : وهو أنه - تعالى - لما بين أنهم يهجعون قليلا ، والهجوع مقتضى الطبع . قال * ( يَسْتَغْفِرُونَ ) * أي : من ذلك القدر من النوم القليل . ومدحهم بالهجوع ولم يمدحهم بكثرة السهر . . . للإشارة إلى أن نومهم عبادة ، حيث مدحهم بكونهم هاجعين قليلا ، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى ، وهو الاستغفار . . . في وجوه الأسحار ، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم ومن الاستكبار . . « 1 » . ثم مدحهم - سبحانه - للمرة الثالثة فقال : * ( وفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ ) * . والسائل : هو من يسأل غيره العون والمساعدة . والمحروم : هو المتعفف عن السؤال مع أنه لا مال له لحرمان أصابه ، بسبب مصيبة نزلت به ، أو فقر كان فيه . . أو ما يشبه ذلك .

--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 635 .