سيد محمد طنطاوي
141
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد باليوم هنا : مطلق الوقت مهما قل زمنه ، والشأن : الأمر العظيم ، والحدث الهام . . أي : أنه - سبحانه - يسأله من في السماوات والأرض ، سؤال المحتاج إلى رزقه ، وفضله ، وستره ، وعافيته . . وهو - عز وجل - في كل وقت من الأوقات ، وفي كل لحظة من اللحظات ، في شأن عظيم . وأمر جليل ، حيث يحدث ما يحدث من أحوال في هذا الكون ، فيحيى ويميت ، ويعز ويذل ، ويغنى ويفقر ، ويشفى ويمرض . . دون أن يشغله شأن عن شأن . . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : * ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) * أي : كل وقت من الأوقات ، هو في شأن من الشؤون ، التي من جملتها إعطاء ما سألوا . فإنه - تعالى - لا يزال ينشئ أشخاصا ، ويفنى آخرين ، ويأتي بأحوال ، ويذهب بأحوال ، حسبما تقتضيه إرادته المبنية على الحكم البالغة . . أخرج البخاري في تاريخه ، وابن ماجة ، وجماعة عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : « من شأنه : أن يغفر ذنبا ، ويفرج كربا ، ويرفع قوما ، ويخفض آخرين » . وسأل بعضهم أحد الحكماء ، عن كيفية الجمع بين هذه الآية ، وبين ما صح من أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة ، فقال : « شؤون يبديها لا شؤون يبتديها » . . وانتصب « كل يوم » على الظرفية ، والعامل فيه هو العامل في قوله - تعالى - : فِي شَأْنٍ وهو ثابت المحذوف ، فكأنه قيل : هو ثابت في شأن كل يوم . . « 1 » . ثم هدد - سبحانه - الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا ، فقال : * ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّه الثَّقَلانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * . وجئ بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإشعار بتحقق ما أخبر به - سبحانه - . وقوله : * ( سَنَفْرُغُ ) * من الفراغ ، وهو الخلو عما يشغل . . والمراد به هنا : القصد إلى الشيء والإقبال عليه ، يقال : فلان فرغ لفلان وإليه ، إذا قصد إليه لأمر ما . . . والثقلان : تثنية ثقل - بفتحتين - ، وأصله كل شيء له وزن وثقل ، والمراد بهما هنا : الإنس والجن .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 110 .