سيد محمد طنطاوي

137

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فالماء العذب ينتفع به في الشراب للناس والدواب والنبات . . والماء الملح ينتفع به في أشياء أخرى ، كاستخراج الملح منه ، وفي غير ذلك من المنافع . . ومن بديع صنع اللَّه في هذا الكون ، أنك تشاهد البحار الهائلة على سطح الأرض ، والأنهار الكثيرة ، ومع ذلك فكل نوع منهما باق على خصائصه ، مع أن كلا منهما قد يلتقى بالآخر . قال بعض العلماء : والمقصود بالبحرين ما يعرفه العرب من هذين النوعين وهما نهر الفرات . وبحر العجم ، المسمى اليوم بالخليج الفارسي . والتقاؤهما : انصباب ماء الفرات في الخليج الفارسي ، في شاطئ البصرة ، والبلاد التي على الشاطئ العربي من الخليج الفارسي تعرف عند العرب ببلاد البحرين لذلك . والمراد بالبرزخ بينهما : الفاصل بين الماءين : الحلو والملح بحيث لا يغير أحد البحرين طعم الآخر بجواره وذلك بسبب ما في كل منهما من خصائص تدفع عنه اختلاط الآخر به وهذا من مسائل الثقل النوعي . وذكر البرزخ تشبيه بليغ ، أي : بينهما مثل البرزخ ، ومعنى لا يبغيان : أي لا يبغى أحدهما على الآخر ، أي : لا يغلب عليه فيفسد طعمه ، فاستعير لهذه الغلبة لفظ البغي . . « 1 » . وقال صاحب الظلال - رحمه اللَّه - : والبحران المشار إليهما هما البحر المالح ، والبحر العذب ، ويشمل الأول البحار والمحيطات ، ويشمل الثاني الأنهار . ومرج البحرين : أرسلهما وتركهما يلتقيان . ولكنهما لا يبغيان ، ولا يتجاوز كل منهما حده المقدر ، ووظيفته المقسومة ، وبينهما برزخ من طبيعتهما من صنع اللَّه - تعالى - . وتصب جميع الأنهار - تقريبا - في البحار ، وهي التي تنقل إليها أملاح الأرض ، فلا تغير طبيعة البحار ولا تبغى عليها ، ومستوى سطوح الأنهار أعلى - في العادة - من مستوى سطح البحر ، ومن ثم لا يبغى البحر على الأنهار التي تصب فيه . ولا يغمر مجاريها بمائه الملح . . وبينهما دائما هذا البرزخ من صنع اللَّه ، فلا يبغيان . فلا عجب أن يذكر - سبحانه - البحرين ، وما بينهما من برزخ ، في مجال الآلاء والنعم . . « 2 » . ثم يذكر - سبحانه - بعض نعمه المختبئة في البحرين فيقول : * ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجانُ ) * .

--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير ج 27 ص 246 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور . ( 2 ) راجع في ظلال القرآن ج 27 ص 3452 .