سيد محمد طنطاوي

135

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهذه نفسها هي العناصر المكونة للتراب ، وإن اختلفت نسبها من إنسان إلى آخر ، وفي الإنسان عن التراب ، إلا أن أصنافها واحدة . إلا أن هذا الذي أثبته العلم لا يجوز أن يؤخذ على أنه التفسير الحتمي للنص القرآني . فقد تكون الحقيقة القرآنية تعنى هذا الذي أثبته العلم ، أو تعنى شيئا آخر سواه ، وتقصد إلى صورة أخرى من الصور الكثيرة التي يتحقق بها معنى خلق الإنسان من تراب ، أو من طين ، أو من صلصال . . . والذي ننبه إليه بشدة ، هو ضرورة عدم قصر النص القرآني على كشف علمي بشرى ، قابل للخطأ والصواب ، وقابل للتعديل والتبديل ، كلما اتسعت معارف الإنسان ، وكثرت وتحسنت وسائله للمعرفة « 1 » . والمعنى : خلق - سبحانه - بقدرته أباكم آدم الذي هو أصلكم ، وعنه تفرع جنسكم من طين يابس يشبه الفخار في يبوسته وصلابته . * ( وخَلَقَ ) * - سبحانه - * ( الْجَانَّ ) * أي : جنس الجن * ( مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ) * أي : من لهب خالص لا دخان فيه ، أو مما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر وغير الأحمر ، إذ المارج ، هو المختلط ، وهو اسم فاعل بمعنى اسم المفعول مثل دافق ، أي : خلق جنس الجان من خليط من لهب النار . ومن في قوله * ( مِنْ نارٍ ) * للبيان . قال ابن كثير : يذكر اللَّه - تعالى - خلقه الإنسان من صلصال كالفخار ، وخلقه الجان من مارج من نار ، وهو طرف لهبها قاله الضحاك ، وعن ابن عباس : من مارج من نار ، أي : من لهب النار . . وروى مسلم عن عائشة قالت : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار . وخلق آدم مما وصف لكم » « 2 » . والمقصود بالآيتين تذكير بني آدم بفضلهم على غيرهم ، حيث بين - سبحانه - لهم مبدأ خلقهم ، وأنهم قد خلقوا من عنصر غير الذي خلق منه الجن ، وأن اللَّه - تعالى - قد أمر إبليس المخلوق من النار ، بالسجود لأبيهم آدم المخلوق من الطين ، فعليهم أن يشكروا اللَّه - تعالى - على هذه النعمة ، وأن يحذروا وسوسة إبليس وجنوده . وبعد أن أمر بشكر هذه النعم ، أتبع ذلك ببيان مظهر آخر من مظاهر قدرته ، فقال :

--> ( 1 ) راجع في ظلال القرآن ج 27 ص 3541 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 271 .