سيد محمد طنطاوي
133
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال القرطبي ما ملخصه : وقراءة العامة * ( والْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ والرَّيْحانُ ) * بالرفع فيها كلها ، عطفا على « فاكهة » أي : فيها فاكهة وفيها الحب ذو العصف ، وفيها الريحان . . وقرأ ابن عامر بالنصب فيها كلها عطفا على الأرض ، أو بإضمار فعل ، أي : وخلق الحبّ ذا العصف والريحان . أي : وخلق الريحان . وقرأ حمزة والكسائي بجر * ( الرَّيْحانُ ) * عطفا على العصف . أي : فيها الحب ذو العصف والريحان ، ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان بمعنى الرزق ، فيكون كأنه قال : والحب ذو الرزق ، لأن العصف رزق للبهائم ، والريحان رزق للناس . . « 1 » . ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله : * ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * . والفاء للتفريع على النعم المتعددة التي سبق ذكرها ، والاستفهام للتعجيب ممن يكذب بهذه النعم ، والآلاء : جمع إلى - بكسر الهمزة وفتحها وسكون اللام - وهي النعمة ، والخطاب للمكلفين من الجن والإنس ، وقيل لأفراد الإنس مؤمنهم وكافرهم ، أي : فبأي واحدة من هذه النعم تكذبان ربكما ، أي : تجحدان فضله ومننه - يا معشر الجن والإنس - مع أن كل نعمة من هذه النعم تستحق منكم الطاعة لي ، والخضوع لعزتى والإخلاص في عبادتي . قال الجمل ما ملخصه : كررت هذه الآية هنا إحدى وثلاثين مرة تقريرا للنعمة ، وتأكيدا للتذكير بها ، وذلك كقول الرجل لمن أحسن إليه ، وهو ينكر هذا الإحسان : ألم تكن فقيرا فأغنيتك ، أفتنكر هذا ؟ ألم تكن عريانا فكسوتك ، أفتنكر هذا . . . ؟ ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب ، وذلك أن اللَّه - تعالى - عدد على عباده نعمه ، ثم خاطبهم بقوله : * ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * . وقد كرر - سبحانه - هذه الآية ثماني مرات ، عقب آيات فيها تعداد عجائب خلقه ، ومبدأ هذا الخلق ونهايته ، ثم كررها سبع مرات عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم . . ثم كررها - أيضا - ثماني مرات في وصف الجنتين وأهلهما ، بعدد أبواب الجنة ، وكررها كذلك ثماني مرات في الجنتين اللتين هما دون الجنتين السابقتين ، فمن اعتقد الثمانية الأولى ، وعمل بموجبها ، استحق هاتين الثمانيتين من اللَّه - تعالى - ، ووقاه السبعة السابقة بفضله وكرمه . . « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 157 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 254 .