سيد محمد طنطاوي

118

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مستعار ، للانتقام الشديد ، وانتصاب * ( أَخْذَ . . . ) * على المفعولية المطلقة ، وإضافته إلى « عزيز مقتدر » من إضافة المصدر إلى فاعله . والعزيز : الذي لا يغلبه غالب ، والمقتدر : الذي لا يعجزه شيء يريده . أي : فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا ، بل أهلكناهم جميعا ، لأن هذا الأخذ صادر عن اللَّه - عز وجل - الذي لا يغلبه غالب ، ولا يعجزه شيء . ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار ، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه ، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى . . فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر ، يحق الحق ويبطل الباطل . وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين ، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة ، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين ، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار ، فقال - تعالى - : * ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) * . والاستفهام للنفي والإنكار ، والمراد بالخيرية ، الخيرية الدنيوية ، كالقوة والغنى والجاه ، والسلطان ، والخطاب لأهل مكة . والبراءة من الشيء : التخلص من تبعاته وشروره ، والمراد بها التخلص من العذاب الذي أعده اللَّه - تعالى - للكافرين ، والسلامة منه . والزبر : جمع زبور ، وهو الكتاب الذي يكتب فيه . والمعنى : أكفاركم - يا أهل مكة - خير من أولئكم السابقين في القوة والغنى والتمكين في الأرض . . . ؟ أم أن لكم عندنا عهدا في كتبنا ، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم . . . ؟ كلا ، ليس لكم شيء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط ، أو من فرعون وملئه ، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم . . وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإصرار على الكفر والجحود ؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شيء من العقل السليم . ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شيء آخر من أقوالهم الباطلة فقال : * ( أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ) * . أي . بل أيقولون نحن جميع يد واحدة ، وسننتصر على من خالفنا وعادانا ؟ ولقد توهموا ذلك فعلا ، وجاهروا به . وقد رد اللَّه - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال : * ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) * والتعريف في * ( الْجَمْعُ ) * للعهد ، والدبر : الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام .