سيد محمد طنطاوي

115

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وفي قوله - تعالى - : * ( مِنْ عِنْدِنا ) * تنويه عظيم بهذا الإنعام ، لأنه صادر من عنده - تعالى - الذي لا تعد ولا تحصى نعمه . ثم بين - سبحانه - الأسباب التي أدت بقوم لوط إلى الدمار والهلاك فقال : * ( ولَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ . . . ) * . والبطشة : المرة من البطش ، بمعنى الأخذ بعنف وقوة ، والمراد بها هنا : الإهلاك الشديد . والتمارى : تفاعل من المراء بمعنى الجدال ، والمراد به هنا : التكذيب والاستهزاء ، ولذا عدى بالباء دون في . أي : واللَّه لقد أنذرهم لوط - عليه السلام - وخوفهم من عذابنا الشديد الذي لا يبقى ولا يذر ، ولكنهم كذبوه واستهزؤا به ، وبتهديده وبتخويفه إياهم . ثم يحكى - سبحانه - صورة أخرى من فجورهم فقال : * ( ولَقَدْ راوَدُوه عَنْ ضَيْفِه ، فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ، فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) * . والمراودة : مقابلة ، من راد فلان يرود ، إذا جاء وذهب ، لكي يصل إلى ما يريده من غيره عن طريق المحايلة والمخادعة . والمراد بضيفه ضيوفه من الملائكة الذين جاؤوا إلى لوط - عليه السلام - لإخباره بإهلاك قومه ، وبأن موعدهم الصبح . . . أي : واللَّه لقد حاول هؤلاء الكفرة الفجرة المرة بعد المرة ، مع لوط - عليه السلام - أن يمكنهم من فعل الفاحشة مع ضيوفه . . . فكانت نتيجة محاولاتهم القبيحة أن * ( فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ) * أي حجبناها عن النظر ، فصاروا لا يرون شيئا أمامهم . قال القرطبي : يروى أن جبريل - عليه السلام - ضربهم بجناحه فعموا ، وقيل : صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق . كما تطمس الريح الأعلام بما تسفى عليها من التراب . وقيل : طمس اللَّه على أبصارهم فلم يروا الرسل « 1 » . وعدى - سبحانه - فعل المراودة بعن . لتضمينه معنى الإبعاد والدفع . أي : حاولوا دفعه عن ضيوفه ، ليتمكنوا منهم . وأسند المراودة إليهم جميعا : لرضاهم عنها ، بقطع النظر عمن قام بها . وقوله : * ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) * مقول لقول محذوف ، أي طمسنا أعينهم وقلنا لهم : ذوقوا عذابي الشديد الذي سينزل بكم ، بسبب تكذيبكم لرسولي ، واستخفافكم بما وجه إليكم من تخويف وإنذار .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 144 .