سيد محمد طنطاوي

109

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقصة قبيلة ثمود مع نبيهم صالح - عليه السلام - قد وردت في سور متعددة منها سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة الشعراء ، وسورة النمل . وينتهى نسبهم إلى جدهم ثمود ، وقيل سموا بذلك لقلة ماء المكان الذي كانوا يعيشون فيه ، لأن الثمد هو الماء القليل . وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، وهو مكان يقع بين الحجاز والشام ، وما زال معروفا إلى الآن . ونبيهم صالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - . وقوله : * ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ) * أي : كذبت قبيلة ثمود بالنذر التي جاءتهم عن طريق رسولهم صالح - عليه السلام - فالنذر بمعنى الإنذارات التي أنذرهم بها صالح - عليه السلام - ثم حكى - سبحانه - مظاهر تكذيبهم فقال : * ( فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُه . . . ) * . و « بشرا » منصوب على المفعولية بالفعل « نتبعه » على طريقة الاشتغال ، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام ، لأن حقها التصدير ، والاستفهام للإنكار ، وواحدا صفة لقوله * ( بَشَراً ) * . أي : أن قوم صالح - عليه السلام - حين جاءهم برسالته التي تدعوهم إلى إخلاص العبادة للَّه - تعالى - ، أنكروا ذلك ، وقالوا : أنتبع واحدا من البشر جاءنا بهذا الكلام الذي يخالف ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا ؟ . * ( إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وسُعُرٍ ) * أي : إنا إذا لو اتبعناه لصرنا في ضلال عظيم ، وفي * ( سُعُرٍ ) * أي وفي جنون واضح ، ومنه قولهم : ناقة مسعورة ، إذا كانت لا تستقر على حال ، وتفرط في سيرها كالمجنونة . أو المعنى : إنا لو اتبعناه لكنا في ضلال ، وفي نيران عظيمة . فالسعر بمعنى النار المسعرة ، ثم أخذوا في تفنيد دعوته ، فقالوا : * ( أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْه مِنْ بَيْنِنا . . ) * والاستفهام للإنكار والنفي . والمراد بالإلقاء : الإنزال . وبالذكر : الوحي الذي أوحاه اللَّه - تعالى - إليه ، وبلغه لهم . أي : أأنزل الوحي على صالح وحده دوننا ؟ لا لم ينزل عليه الوحي دوننا ، فهو واحد من أفنائنا ، وليس من أشرافنا . . .