سيد محمد طنطاوي

101

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، قد وردت بصورة أكثر تفصيلا في سور أخرى . كسورة هود ، والمؤمنون ، ونوح ، والأعراف . ولكنها جاءت هنا - كغيرها من القصص - بصورة حاسمة قاصمة ، تزلزل النفوس ، وتفتح العيون على مصارع الغابرين ، لكي يعتبر الكافرون ، وينتهوا عن كفرهم . قال الآلوسي : قوله : * ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ . . . ) * شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للانزجار ، ونوع تفصيل لها ، وبيان لعدم تأثرهم بها ، تقريرا لفحوى قوله : فَما تُغْنِ النُّذُرُ . والفعل « كذبت » منزل منزلة اللازم . أي : فعل التكذيب قبل قومك قوم نوح . . « 1 » . وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لأن المصيبة إذا عمت خفت ، وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - : وإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ . . . . وأسند - سبحانه - التكذيب إلى جميع قوم نوح - عليه السلام - . لأن الذين آمنوا به منهم عدد قليل ، كما قال - تعالى - : في سورة هود : وما آمَنَ مَعَه إِلَّا قَلِيلٌ . وقوله - تعالى - : * ( فَكَذَّبُوا عَبْدَنا ) * تأكيد لتكذيبهم له - عليه السلام - ، فكأنه - سبحانه - يقول : إن قوم نوح - عليه السلام - قد أصروا على تكذيبهم لعبدنا ونبينا ، وتواصوا بهذا التكذيب فيما بينهم ، حتى لكأن الكبار قد أوصوا به الصغار . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى قوله : * ( فَكَذَّبُوا عَبْدَنا ) * بعد قوله : * ( كَذَّبَتْ ) * ؟ قلت معناه : كذبوا فكذبوا عبدنا . أي : كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب ، كلما مضى منهم قرن مكذب ، تبعهم قرن مكذب . أو معناه : كذبت قوم نوح الرسل ، فكذبوا عبدنا ، أي : لما كانوا مكذبين بالرسل ،

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 81 .