سيد محمد طنطاوي
99
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الشرور ، وما فيه إنذار لهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا في غيهم ، ولكن كل ذلك لا غناء فيه ، ولا نفع من ورائه لهؤلاء الجاحدين المعاندين الذين عموا وصموا . . . ويصح أن تكون « ما » هنا ، للاستفهام الإنكارى . أي : ما الذي تغنيه النذر بالنسبة لهؤلاء المصرين على الكفر ؟ إنها لا تغنى شيئا ما داموا لم يفتحوا قلوبهم للحق : والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) * للتفريع على ما تقدم ، وهي تفيد السببية . وقوله : * ( يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ) * ظرف لقوله : * ( يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ ) * والداع : هو إسرافيل - عليه السلام - الذي ينفخ في الصور بأمر اللَّه - تعالى - . والمراد بالنكر : الأمر الفظيع الهائل ، الذي لم تألفه النفوس ، ولم تر له مثيلا في الشدة . أي : إذا كان هذا حالهم من عدم إغناء النذر فيهم ، فتول عنهم - أيها الرسول الكريم - ، ولا تبال بهم ، واتركهم في طغيانهم يعمهون ، وانتظر عليهم إلى اليوم الذي يدعوهم فيه الداعي ، إلى أمر فظيع عظيم ، تنكره النفوس ، لعدم عهدهم بمثله ، وهو يوم البعث والنشور . قال الجمل : وقوله : * ( يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ) * منصوب إما باذكر مضمرا . . وإما بيخرجون . . وحذفت الواو من « يدع » لفظا لالتقاء الساكنين ، ورسما تبعا للفظ ، وحذفت الياء من * ( الدَّاعِ ) * للتخفيف . . . والداع هو إسرافيل . . « 1 » . وقوله : * ( خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ ) * حال من الفاعل في قوله : * ( يَخْرُجُونَ . . . ) * : أي : ذليلة أبصارهم بحيث تنظر إلى ما أمامها من أهوال نظرة البائس الذليل ، الذي لا يستطيع أن يحقق نظره فيما ينظر إليه . قال القرطبي : الخشوع في البصر : الخضوع والذلة . وأضاف - سبحانه - الخشوع إلى الأبصار ، لأن أثر العز والذل يتبين في ناظر الإنسان . قال - تعالى - : أَبْصارُها خاشِعَةٌ وقال - تعالى - : وتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ . . . . ويقال : خشع واختشع إذا ذل . وخشع ببصره إذا غضه . .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 242 .