سيد محمد طنطاوي

90

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فالشوب : الخلط يقال : شاب فلان طعامه ، إذا خلطه بغيره . والحميم : الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة . فطعامهم - والعياذ باللَّه - قد اجتمع فيه مرارة الزقوم وحرارة الماء وهذا أشنع ما يكون عليه الطعام . ثم بين - سبحانه - مصيرهم الدائم فقال . * ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ ) * أي : ثم إن مرجعهم ومصيرهم ومقرهم الدائم بعد كل ذلك لإلى دركات الجحيم لا إلى غيرها . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال - تعالى - : * ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ : فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ) * . وقوله : * ( أَلْفَوْا ) * من الإلف للشيء بمعنى التعود عليه بعد وجوده وحصوله . وقوله : * ( يُهْرَعُونَ ) * من الإهراع بمعنى الإسراع الشديد ، أو الإسراع الذي تصحبه رعدة وفزع ، يقال : هرع وأهرع - بالبناء للمجهول فيهما - إذا استحث وأزعج ، ويقال : فلان يهرع - بضم الياء - إذا جاء مسرعا في غضب أو ضعف أو خوف . أي : إن ما أصاب هؤلاء الكافرين من عذاب أليم ، سببه أنهم وجدوا آباءهم مقيمين على الضلال ، فاقتدوا بهم اقتداء أعمى ، وساروا خلفهم وعلى آثارهم بسرعة وبغير تدبر أو تعقل ، كما يسير الأعمى خلف من يذهب به إلى طريق هلاكه . فالآيتان الكريمتان توبيخ شديد لهؤلاء الكافرين ، لأنهم لم يكتفوا بتقليد آبائهم في الضلال ، بل أسرعوا إلى ذلك إسراعا لا تمهل معه ولا تدبر . ثم بين - سبحانه - أحوال السابقين عليهم فقال : * ( ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ ) * . أي : ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين من قومك - أيها الرسول الكريم - أكثر الأقوام السابقين الذين أرسلنا إليهم رسلنا لهدايتهم . وفي التعبير بقوله : * ( أَكْثَرُ ) * إنصاف ومدح للقلة المؤمنة التي اتبعت الحق . * ( ولَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ) * أي : ولقد أرسلنا في هؤلاء الأقوام السابقين أنبياء كثيرين ينذرونهم ويخوفونهم من عاقبة الكفر والشرك ، ولكن أكثر هؤلاء الأقوام لم يستجيبوا للحق . * ( فَانْظُرْ ) * - أيها الرسول الكريم - * ( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ) * أي : فانظر وتأمل كيف كانت عاقبة هؤلاء الذين أنذروا فلم يستجيبوا للحق ، لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا * ( إِلَّا عِبادَ اللَّه الْمُخْلَصِينَ ) * أي : دمرنا هؤلاء الأقوام إلا عبادنا الذين أخلصوا لنا العبادة والطاعة فقد أنجيناهم بفضلنا ورحمتنا . ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك قصص بعض الأنبياء السابقين مع أقوامهم لتثبيت فؤاد