سيد محمد طنطاوي

83

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وصفاته الحسنة ككونه لذيذ الطعم ، حسن المنظر ، غير مقطوع ولا ممنوع إلى غير ذلك من الصفات التي تجعله محل الرغبة والاشتهاء . وقوله - تعالى - : * ( فَواكِه وهُمْ مُكْرَمُونَ ) * بدل مما قبله ، أو خبر لمبتدأ محذوف ، أي هذا الرزق المعلوم ، هو فواكه . والمراد بهذه الفواكه : ما يأكله الآكل على سبيل التلذذ والتفكه ، وجميع ما يأكله أهل الجنة كذلك حتى اللحم والخبز ، لأنهم في الجنة في غنى عن القوت الذي يحفظون به حياتهم . وخصت الفاكهة بالذكر لأنها أطيب ما يأكله الآكلون . وفضلا عن كل ذلك فهم فيها منعمون مكرمون ، لا يحتاجون إلى شيء إلا ويجدونه بين أيديهم ، بفضل اللَّه - تعالى - ورحمته . ثم بين - سبحانه - مكانهم وهيئتهم فقال : * ( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) * . أي : هم في جنات ليس فيها إلا النعيم الدائم ، وهم في الوقت نفسه يجلسون على سرر متقابلين ، بأن تكون وجوههم متقابلة لا متدابرة ، فإن من شأن المتصافين أن يجلسوا متقابلين . * ( يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) * والكأس . هو الإناء الذي فيه شراب ، فإن لم يكن فيه شراب فهو قدح ، وقد يسمى الشراب ذاته كأسا ، فيقال : شربت كأسا ، وذلك من باب تسمية الشيء باسم محله . و « معين » اسم فاعل من معن وهو صفة لكأس مأخوذ من عان الماء إذا نبع وظهر على الأرض . أي : يطاف على هؤلاء العباد المخلصين وهم في الجنة ، بكأس ملئ بخمر لذة للشاربين ، نابعة من العيون ، وظاهرة للأبصار ، تجرى في أنهار الجنة كما تجرى المياه في الأنهار . فالتعبير بقوله - تعالى - * ( بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) * يشعر بكثرتها ، وقربها ممن يريدها . وقوله - تعالى - : * ( بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ) * صفتان للكأس باعتبار ما فيه . أي هذه الخمر التي يطاف بها عليهم ، بيضاء اللون ، لذيذة الطعم والرائحة عند الشاربين . * ( لا فِيها غَوْلٌ ) * أي : أذى أو مضرة ، والغول . إهلاك الشيء - على غرة وغفلة . يقال : غاله يغوله غولا ، واغتاله اغتيالا ، إذا قضى عليه بغتة ، وأخذه من حيث لا يشعر . أي : أن خمر الآخرة ليس فيها ما يضر أو يؤذى ، كما هو الحال بالنسبة لخمر الدنيا .