سيد محمد طنطاوي

71

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وسموا بذلك لشرفهم ، ولأنهم في جهة العلو ، بخلاف غيرهم فإنهم يسكنون الأرض . وقوله : * ( ويُقْذَفُونَ ) * من القذف بمعنى الرجم والرمي ، و * ( دُحُوراً ) * مفعولا لأجله ، أي : يقذفون لأجل الدّحور ، وهو الطرد والإبعاد ، مصدر دحره يدحره دحرا ودحورا : إذا طرده وأبعده . والواصب : الدائم ، من الوصوب بمعنى الدوام ، يقال : وصب الشيء يصب وصوبا ، إذا دام وثبت ، ومنه قوله : ولَه الدِّينُ واصِباً أي : دائما ثابتا . والمعنى : إنا زينا السماء الدنيا بنور الكواكب ، وحفظناها - بقدرتنا ورعايتنا - من كل شيطان متجرد من الخير ، فإن هذا الشيطان وأمثاله كلما حاولوا الاستماع إلى الملائكة في السماء ، لم نمكنهم من ذلك ، بل قذفناهم ورجمناهم بالشهب والنيران من كل جانب من جوانب السماء ، من أجل أن ندمرهم ونطردهم ونبعدهم عنها ، ولهم منا - فوق كل ذلك - عذاب دائم ثابت لا نهاية له . وقوله : * ( إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ) * استثناء من الواو في « يسمعون » و « من » في محل بدل من الواو . والخطف : الأخذ للشيء بسرعة وخفية واختلاس وغفلة من المأخوذ منه . أي : لا يسمع الشياطين إلى الملأ الأعلى ، إلا الشيطان الذي خطف الخطفة من كلام الملائكة بسرعة وخفة ، فيما يتفاوضون فيه من أحوال البشر - دون ما يتعلق بالوحي - فإنه في هذه الحالة يتبع هذا الشيطان ويلحقه * ( شِهابٌ ثاقِبٌ ) * أي : شعلة من النار تثقب الجو بضوئها فتهلكه وتحرقه وتثقبه وتمزقه . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وشُهُباً . وأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ . فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَه شِهاباً رَصَداً « 1 » . ومما يدل على أن استراقهم للسمع ، واختطافهم للخطفة ، إنما يكون في غير الوحي ، قوله - تعالى - إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ « 2 » . وعن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - قال : كانت للشياطين مقاعد في السماء فكانوا يستمعون الوحي قال : وكانت النجوم لا تجرى ، وكانت الشياطين لا ترمى . قال : فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض ، فزادوا في الكلمة تسعا . قال : فلما بعث رسول

--> ( 1 ) سورة الجن الآيتان 8 ، 9 . ( 2 ) سورة الشعراء الآية 212 .