سيد محمد طنطاوي

69

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وتارة على سبيل الجمع . قال بعض العلماء : قوله * ( ورَبُّ الْمَشارِقِ ) * أي : ولكل نجم مشرق ، ولكل كوكب مشرق فهي مشارق كثيرة في كل جانب من جوانب السماوات الفسيحة . وللتعبير دلالة أخرى دقيقة في التعبير عن الواقع في هذه الأرض التي نعيش عليها كذلك . فالأرض في دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها المختلفة - كما تتوالى المغارب ، فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس ، كان هناك مشرق على هذا القطاع . وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له في الكرة الأرضية . . وهي حقيقة ما كان يعرفها الناس في زمان نزول القرآن الكريم ، أخبرهم اللَّه - تعالى - بها في ذلك الزمان القديم . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر قدرته في خلقه لهذه السماوات وكيف أنه - تعالى - قد زين السماء الدنيا بالكواكب . وحفظها من تسلل أي شيطان إليها فقال تعالى : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 6 إلى 10 ] إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 ) وحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ( 7 ) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلى ويُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ( 8 ) دُحُوراً ولَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ( 9 ) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَه شِهابٌ ثاقِبٌ ( 10 ) وقوله - تعالى - : * ( زَيَّنَّا ) * من التزيين بمعنى التحسين والتجميل . والمراد بالسماء الدنيا : السماء التي هي أقرب سماء إلى الأرض . فالدنيا مؤنث أدنى بمعنى أقرب . والكواكب : جمع كوكب وهو النجم الذي يرى في السماء . وقوله : * ( بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ) * فيه ثلاث قراءات سبعية ، فقد قرأ الجمهور بإضافة زينة إلى الكواكب . أي : بلا تنوين في لفظ « بزينة » . وقرأ بعضهم بتنوين لفظ « زينة » وخفض لفظ الكواكب على أنه بدل منه . وقرأ بعضهم بتنوين لفظ * ( بِزِينَةٍ ) * ونصب لفظ الكواكب ، على أنه مفعول لفعل محذوف أي : أعنى الكواكب . والمعنى : إنا بقدرتنا وفضلنا زينا السماء الدنيا التي ترونها بأعينكم - أيها الناس - بالكواكب ، فجعلناها مضيئة بحيث تهتدون بها في سيركم من مكان إلى مكان .

--> ( 1 ) في ظلال القرآن ج 23 ص 46 .