سيد محمد طنطاوي
51
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : وما علَّمنا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم الشعر وإنما الذي علمناه إياه هو القرآن الكريم ، المشتمل على ما يسعد الناس في دنياهم وفي آخرتهم . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، نفى أن يكون القرآن شعرا بأبلغ وجه لأن الذي علمه اللَّه - تعالى - لنبيه هو القرآن وليس الشعر ، وما دام الأمر كذلك فالقرآن ليس شعرا . وقوله - تعالى - : * ( وما يَنْبَغِي لَه ) * . أي : ما علمناه الشعر ، وإنما علمناه القرآن ، فقد اقتضت حكمتنا أن لا نعجل الشعر في طبعه صلَّى اللَّه عليه وسلم ولا في سليقته ، فحتى لو حاوله - على سبيل الفرض - فإنه لا يتأتى له ، ولا يسهل عليه ولا يستقيم مع فطرته صلَّى اللَّه عليه وسلم . والضمير في قوله - تعالى - : * ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ) * يعود إلى القرآن الكريم : أي : ما هذا القرآن الكريم إلا ذكر من الأذكار النافعة ، والمواعظ الناجحة ، والتوجيهات الحكيمة ، وهو في الوقت نفسه * ( قُرْآنٌ مُبِينٌ ) * أي : كتاب مقروء من الكتب السماوية الواضحة ، التي لا تختلط ولا تلتبس بكلام البشر . وقد أنزلناه على الرسول الكريم * ( لِيُنْذِرَ ) * به * ( مَنْ كانَ حَيًّا ) * . أي : من كان مؤمنا عاملا ذا قلب حي ، ونفس نقية ، وأذن واعية ، لأن من كانت هذه صفاته انتفع بالإنذار والتذكير . * ( ويَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ) * أي : أن من كان ذا قلب فإنه ينتفع بالإنذار ، أما من كان مصرا على كفره وضلاله ، فإن كلمة العذاب قد حقت عليه ، وصارت نهايته الإلقاء به في جهنم وبئس القرار . وقد تكلم المفسرون هنا كلاما مفصلا . عن كون القرآن ليس شعرا ، وكون الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ليس شاعرا ، وعلى رأسهم صاحب الكشاف فقد قال ما ملخصه : كانوا يقولون لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم إنه شاعر . فرد عليهم بقوله : * ( وما عَلَّمْناه الشِّعْرَ ) * أي : أن القرآن ليس بشعر ، وأين هو من الشعر . والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على معنى ، فأين الوزن ؟ وأين التقفية ؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء من معانيه ؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه . . . * ( وما يَنْبَغِي لَه ) * أي : وما يصح له ، ولا يتطلبه إن طلبه ، أي : جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ، ولم يتسهل كما جعلناه أميا . . لتكون الحجة أثبت ، والشبهة أدحض . . .