سيد محمد طنطاوي
44
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( لَهُمْ فِيها ) * أي في الجنة * ( فاكِهَةٌ ) * كثيرة متنوعة * ( ولَهُمْ ما يَدَّعُونَ ) * أي : ولهم فوق ذلك جميع ما يطلبونه من مطالب وما يتمنونه من أمنيات . فقوله : * ( يَدَّعُونَ ) * يصح أن يكون من الدعاء بمعنى الطلب ، كما يصح أن يكون من الادعاء بمعنى التمني . يقال : ادع علىّ ما شئت أي : تمن علىّ ما شئت . ويقال : فلان في خير ما يدّعى ، أي : في خير ما يتمنى . ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الجزيل للمؤمنين بقوله : * ( سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) * . وللمفسرين في إعراب قوله : * ( سَلامٌ ) * أقوال منها : أنه مبتدأ خبره الناصب للفظ * ( قَوْلًا ) * أي : سلام يقال لهم قولا . . . « 1 » . وقد أشار صاحب الكشاف إلى بعض هذه الأقوال فقال : وقوله : * ( سَلامٌ ) * بدل من قوله * ( ما يَدَّعُونَ ) * كأنه قال لهم : سلام يقال لهم قولا من جهة رب رحيم . والمعنى : أن اللَّه - تعالى - يسلم عليهم بواسطة الملائكة ، أو بغير واسطة ، مبالغة في تكريمهم ، وذلك غاية متمناهم . . « 2 » . وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث ، منها ما رواه ابن أبي حاتم - بسنده - عن جابر بن عبد اللَّه قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « بينما أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطح لهم نور ، فرفعوا رؤسهم فإذا الرب - تعالى - قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة . فذلك قوله : * ( سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) * قال : فينظر إليهم وينظرون إليه ، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه . حتى يحتجب عنهم ، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم » « 3 » . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة - كما يقول الإمام الفخر الرازي - يراها تشير إلى أن أصحاب الجنة ليسوا في تعب ، كما تشير إلى وحدتهم ، وإلى حسن المكان ، وإلى إعطائهم كل ما يحتاجونه ، وإلى تلذذهم بالنعيم وإلى تلقيهم لأجمل تحية . . « « 4 » . هذا هو حال المؤمنين ، وهذا بعض ما يقال لهم من ألفاظ التكريم ، فما ذا يقال للمجرمين .
--> ( 1 ) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 521 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 22 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 570 . ( 4 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 101 .