سيد محمد طنطاوي

40

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الذي تعدوننا به من أن هناك بعثا ، وحسابا وجزاء . . . أحضروه لنا * ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * فيما تعدوننا به . وهنا يجيء الرد الذي يزلزلهم ، عن طريق بيان بعض مشاهد يوم القيامة ، فيقول - سبحانه - : * ( ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وهُمْ يَخِصِّمُونَ . فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) * . المراد بالصيحة هنا : النفخة الأولى التي ينفخها إسرافيل بأمر اللَّه - تعالى - فيموت جميع الخلائق . وقوله * ( يَخِصِّمُونَ ) * أي : يختصمون في أمور دنياهم . وفي هذا اللفظ عدة قراءات سبعية . منها قراءة أبو عمرو وابن كثير : * ( وهُمْ يَخِصِّمُونَ ) * - بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد مع الفتح - ومنها قراءة عاصم والكسائي : * ( وهُمْ يَخِصِّمُونَ ) * بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد مع الكسر . ومنها قراءة حمزة * ( يَخِصِّمُونَ ) * بإسكان الخاء وكسر الصاد مع التخفيف . أي : أن هؤلاء الكافرين الذين يستنكرون قيام الساعة ، ويستبعدون حصولها ، جاهلون غافلون ، فإن الساعة آتية لا ريب فيها ، وستحل بهم بغتة فإنهم ما ينتظرون * ( إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) * يصيحها إسرافيل بأمرنا ، فتأخذهم هذه الصيحة وتصعقهم وتهلكهم * ( وهُمْ يَخِصِّمُونَ ) * أي : وهم يتخاصمون ويتنازعون في أمور دنياهم . وعند ما تنزل بهم هذه الصيحة ، لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا بما يريد أن يقول له ولا يستطيعون جميعا الرجوع إلى أهليهم ، لأنهم يصعقون في أماكنهم التي يكونون فيها عند حدوث هذه الصيحة . فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أبلغ تصوير لأهوال علامات يوم القيامة ، ولسرعة مجيء هذه الأهوال . أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ، ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه - أي يسده بالطين - فلا يسقى منه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها » « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 31 .